الأحد , 8 نوفمبر 2026

أحمد العش يكتب.. الملمح الفاصل في رحيل فيصل

كانت المادة التاريخية هي الشطر الأعظم من جملة كتاباتي ، ما قل منها أو كثر ، بعد أن أخذت بتلابيبي إلى فضائها المعرفي الفسيح ، قُرباناً وأسيراً ، فما أطلقت سراحي إلا وأسكبتني وأكسبتني وألبستني ، من ملاذ خيراتها نعيماً وملكاً كبيراً ، ولا جرّم أن التاريخ الإسلامي هو الأجدى رواقاً ومروجاً لذائقة نفسي وفؤادي ، وحسبك وماضيه الأنيق ، ويكأنه حدائق ذات بهجة ، معروشات وغير معروشات ، فيها من كل الثمرات اثنين مشتبهاً وغير متشابه ،،
سبرت أغوار التاريخ الإسلامي بدأب واسترسال غير ممنون ، ما أصابني نصبٌ ولا بعُدت علىّ الشُقة ، وقد كان قلمي هو الشاهد الأوحد على تلك النزعة الروحية ، التي لم تتهاوى قيد أنملة ، كأحد أطراف ثلاثة ، قريحتي وبناني وقراطيسي ، وكان القلم لي صاحباً وأنيساً ، كأننا صنوانان اثنان ، لا نفترقان ولا نتنافران ،،
شددت الرحل بقلمي مُشدِداً بوثاقة ، وفياً لميثاقِه ، لنأنسَ سوياً من لمحات التاريخ قبساتٍ ونوراً ، جُست به بين القرون الثلاثةِ الأُول ، فدثرتني نبالة الصحابة وزملتني براعة التابعين ، كل في رجاحةِ وجدارة ، ثم ِضقت ذرعاً من ضآلة الإنتاج البشري العظيم ، في القرون اللاحقة تترى ، ولاسيما في القرن العشرين ، ذلكم المدقع المسكين ، فبإماطة اللثام عنه ، وجدت من فئام البشر عظاماً قليلين ، فكان أعظمهم قدراً ، وأنبلهم رشداً ، وأنفعهم نصحاً ، هذا الذي سُمي بفيصل بن عبدالعزيز ، حاكم السعودية النجيب ، وقسورة زمانه العجيب ، ويعسوب القرن العشرين بلا مناص ولا ريب ، نعم الحاكم فيصل بن عبدالعزيز ، لمَا قدمهُ من مناقب لأمة الإسلام ، وللوطن العربي من محيطه إلى خليجه ، برباطة جأش ، وشدة بأس ، وعزة نفس ، وتا الله ما أتى القرن العشرين بمثله حاكماً ، ولا بمعشار فضله راسياً، فذاك هو الأسد الجسور ، الذي ثابر وناصر القضية الفلسطينية ، بشكيمةٍ وعزمٍ وفير ، بالسيف والقلم واللسان ، بقلبٍ نابضٍ حي ولب ذي حجر، لا يُثنيه أحدٌ ، ولا يباريه رأيٌ، وليعجب النُظّار حق إعجابهم ، بسيرورة هذا الرجل المغوار ، وهو يُشهر سيف التحدي لكل من وقف ظهيراً للكيان الصهيوني ، بمنع البترول عنهم ، وإن كانوا ملء الأرض عدداً ، في الوقت الذي كان أقرانه من حكام العرب والمسلمين ، ناكسي رؤوسهم للعدو ، سيالة لعابهم في الغداة والعشي ، ثمناً لبضع دراهم وريالات بخيسة مُزجاه ، لله در فيصل بن عبدالعزيز أسد القرن العشرين الشامخ ، وقطب الإسلام الراسخ ، بين شياه الحكام والنجاع وكلابهم الضالة ، وقد اعتراني الفخر والحزن الكظيم في آن ، وأنا أتحدث عن هذا الحاكم الميمون ، الذى بالكاد لا يعرفه من بني جلدتنا إلا النزر اليسير ، فهو خليفة الله في الأرض ، في ذلك الزمن الذي انقطعت فيه الخلافة ، وسيحفظ له الدهر مقولته الباسلة ، أمام عصبة المتآمرين على دحر الإسلام بالكلية قائلاً ( حضرة رئيس الولايات المتحدة _ هل ترى هذه الأشجار ؟ لقد عاش آبائي وأجدادي مئات السنين على ثمارها ، ونحن مستعدون أن نعود للخيام ونعيش مثلهم ، ونستغنى عن البترول ، إذا استمر الأقوياء ، وأنتم في طليعتهم في مساعدة عدونا علينا ) ،،
لقد استقرأت سيرة فيصل بن عبدالعزيز ، فاستسغتها فطفقت أقارعها بسيرورة الفضلاء في الأزمنة البعيدة ، وكيف لا وقد اجتمعت في فؤاده جل صفات العظماء ، فهو الحافظ للقرآن دون الثلاثة عشر سنة ، والفارس في ميادين القتال ، تحت لواء أبيه عبدالعزيز آل سعود ، وهو السياسي البارع ، والدبلوماسى النابغ ، وعالم الدين الناصع ، كأنه امتداد حقيقي لرجل القرن التاسع عشر ، السلطان عبدالحميد الثاني ، فقد خُلقّا الرجلان في أزمنة غير أزمنتهم ، وتلك حكمة السماء اليافعة ، ليكونا إسقاطين على مائتي سنة ، من الظلام الدامس والتيه اللاذع ،،
لقد كان فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله مثالاً للفضيلة بكل أركانها ، فتراه المتدين الحصيف، ورجل السياسة ، ورجل الاقتصاد ، ورجل المواقف الصعبة ، ونسيج وحده بين حكام المسلمين في القرن العشرين ، فمن شمائله المزهرة ، عنايته بالدولة السعودية عناية بالغة ، وهي تتخبط عشواء ، في عسرات وعثرات ، على كل صعيد ومنحى ، فقد ألغى نظام الرق ، وأعتق كل العبيد مانحاً إياهم الجنسية السعودية ، معوضاً المتضررين من هذا الإلغاء ستين مليونًا من الريالات ، وأنقذ الاقتصاد السعودي الوطني من مستنقع الديون لشركات البترول ، من مديونات تجاوزت حد الألفين مليون ريال ، ليُحدث نقلة نوعية في قوام الدولة السعودية ، جعلتها في الطليعة بين القرناء والغرماء ، فجعل للتعليم حظاً ميسوراً ، وارتقى بالبنية الصناعية والزراعية أعظم مُرتقى ، وضخ الأمل في نفس شعبه جملة واحدة ، ولعَمري كان فيصل بن عبدالعزيز سفيراً للإسلام حسناً ، فقد أسلم على يديه حاكم الجابون جوزيف ليسمى عمر ، كما أسلم أكبر أطباء فرنسا موريس بوكاي ، وكم من وقع الأثرين على العالم بالصدع والصدى ، وما أروع فيصل بن عبدالعزيز ، لما عوض مصر خسارتها في سلاح الطيران جراء حرب 1973م ، فخلدت مصر اسمه فخرا على أحد أعظم شوارع القاهرة والجيزة ( شارع الملك فيصل ) ،،
نعم الفارس فيصل بن عبدالعزيز ضارباً بتهديدات الغرب عرض الحائط ( أنه لا يخشى الموت ، ويتمنى أن يموت في سبيل الله ) وكأن السماء استجابت لدعوته ، فقد غدر به أحد أبناء عمومته فيصل بن مساعد بن عبدالعزيز ، قاتلاً إياه بطلقات نارية ، ليلقى ربه وهو شهيد ، في يوم من أيام الإسلام العاصفة ( 25 مارس 1975م ) ، ليعدم قاتله مقطوع الرأس ، ويُكبت أعدائه في الطمس ، ويحفظ له التاريخ مقام صدق ، لتعقم النسوة في إنجاب مثله من بعده ، كما عقمت النساء من إنجاب شبيه له من قبله ، رحم الله فيصل بن عبدالعزيز ، بفيضه الغزير ، فنعم الثائر الحرير ، والعالم النحرير ، والحاكم الأمير —–

شاهد أيضاً

د. عادل عامر يكتب.. جرائم الاشتباه في القانون الجنائي.. بين مقتضيات الأمن العام وقرينة البراءة وحرية الإنسان

تُعد جرائم الاشتباه من أكثر الموضوعات الجنائية إثارة للجدل؛ لأنها تقع عند نقطة التقاء حساسة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *