قد يقف بعض الناس حيارى متهوكين لا يصدقون أن خالد بن الوليد رضي الله عنه، ذلك الصحابي الجليل صاحب المجد الذائع والتاريخ الناصع، في التراث العربي والإسلامي لم يكن من بين العشرة المبشرين بالجنة، ولم يكن كذلك من السابقين الأوائل الذين دخلوا دار الأرقم بن أبي الأرقم في بدء الدعوة المباركة، ولم يكن من الذين هاجروا للحبشة في المرتين، ولم يكن أيضاً من بين الألف وخمسمائة صحابي الذين شهدوا بيعة الرضوان، بل إنه لم يدخل في الإسلام حقاً سوى في العام الثامن الهجري، بعد أن ترك خلفية كالحة السواد في نفوس المسلمين عامة، لاسيما مأساة غزوة أُحد وموقفه المتربص بالنبي وأصحابه يوم الحديبية، ثم الأغرب من كل ذلك أنه لازم النبي صلى الله عليه وسلم في الإسلام لعامين ونصف فقط، حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم رحل إلى الرفيق الأعلى في العام العاشر للهجرة، إذن فمن أين جاءت شهرة خالد بن الوليد إلى الحد الذي جعله في نظر الكثيرين أحد مشاهير الصحابة جنباً إلى جنب مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي؟
سوف أختصر إجابتي عن كل التساؤلات المطروحة آنفاً في شأن خالد بن الوليد رضي الله عنه بتلك العبارة، خالد بن الوليد أعظم قائد عسكري في التاريخ البشري قاطبة، وكفى بها جواباً شافياً، وأزيد قولاً بأن الإنسانية كلها لم تُنجب قائداً بمثل عبقرية خالد بن الوليد رضي الله عنه، ولن أكون مبالغاً حينما أقول أنه بحاصل ضرب الماضي في الحاضر مع المستقبل بإذن الله، لن يأتي بطلاً أدرى بفنون القتال وباستراتيجية الحروب بمعشار خالداً رضي الله عنه، والتاريخ خير شاهد، لقد ارتبط خالداً رضي الله عنه ارتباطاً وثيقاً منذ نعومة أظافره بالعبقرية الفذة التي ترجمت على أمثل نحو في ميادين الحروب، فكان أعظم من قاد الجيوش كلها سواء فى جاهليته أو بعد إسلامه، هو رجلٌ لم يهزم قط في أكثر من مائة معركة خاضها طيلة مسيرته الحربية الشامخة، وكيف لا وقد وصفه سيد البشر صلى الله عليه وسلم بسيف الله المسلول، يوم أن كُسرت في يده تسعة أسياف في غزوة مؤتة، التي استطاع فيها أن يحفظ كرامة المسلمين من هزيمة نكراء على أيدي الروم، لقد تفجرت عبقرية خالد العسكرية والقتالية على نحوٍ أبهر جميع قادة التاريخ سلفاً وخلفاً، لدرجة أن مسيرته العسكرية بكل ما فيها من مجدٍ وكبرياء يتم دراستها كمنهج بطولي متكامل في أشهر المدارس العسكرية في العالم، لله در خالد بن الوليد وهو يهزم أعدائه الواحد تلو الآخر بنصف العدد، وفي أحيانٍ أخرى بثُلث عدد الجيش المنافس، وللتاريخ دلالته: في يوم مؤته كان عدد المسلمين ثلاثة آلاف مقاتل مقابل مائتي ألف رومي، ما أروع خالداً رضي الله عنه وهو يقود ملحمة النصر بتواصل دون انقطاع، فقد أباد المرتدين أعظم إبادة من كل جزيرة العرب، وسحق الروم سحقاً ومحق الفرس محقاً، لله درك يا سيف الله المسلول وأنت تهزم ثلاثة جيوش متحالفه متحاربة في معركة واحدة هي معركة الفراض بفتوح الشام، والتي اجتمعت فيها جيوش الساسانيون والبيزنطيون ونصارى العرب وعددهم مائة ألف مقاتل وقد هزمهم خالداً شر هزيمة حتى ولوا الأدبار، لله در خالد بن الوليد وهو يحظى بالثناء من العظماء الثلاثة النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال له أنت سيف من سيوف الله يسله على أعداء الإسلام، وهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول مادحاً خالداً لما هزم الفرس في معركة الزميل – عدا أسدكم على الأسد وهزمه على خراذيله أعجزت النساء أن يلدن مثل خالد؟ ولما مات خالد مر عمر بن الخطاب بنسوة من بني مخزوم يبكينه فقيل له ألا تنهاهن ؟ فقال الفاروق رضي الله عنه كلمات باهرات نقشت بماء الذهب في بطون الكتب، دع نساء بني مخزوم يبكين أبا سليمان فعلى مثل أبا سليمان تبكي البواكي، إن الحديث عن خالد بن الوليد لا يمكن أن تستوفيه السطور القليلة فهو رجل من خيرة الرجال وبطلاً هو بحق أعظم الأبطال، ويكفي القول أنه أحد القلائل الذين غيروا وجه التاريخ الإسلامي بفضل دهائه العسكري وفدائه البطولي، وعزيمته الفولاذية وخبرته الحربية التي رفعت راية المسلمين خفاقه براقة في ساحات الحروب، كم أنت عظيم يا خالد بن الوليد ويحضرني هاهنا رثاء أمه له يوم وفاته حين وصفته بأنه خير من مليون رجل حيث رثته بتلك الكلمات المقتضبة، أنت خيرٌ من ألف ألف من القوم إذا ما كبت وجوه الرجال – أشجاع فأنت أشجع من ليث غضنفر يزود عن أشبال – أجواد فأنت أجود من سيل غامر يسيل بين الجبال …
لله در خالد بن الوليد الفارس الصنديد والبطل المجيد – رضي الله عنك يا سيف الله المسلول.










