المستشار بهاء المري يكتب.. قميص العار .. حين يُجلَد رجُل بقميص نوم‎!‎



      في زاويةٍ معتمة من هذا الوطن، حيث تتداخل المروءة مع التهور، ‏وتُرتكب الجرائم تحت لافتة "الدفاع عن الشرف"، وقعت جريمة لا تُمثل ‏فقط انتهاكًا صارخًا للقانون، بل تشكّل طعنة غائرة في صميم الأخلاق، ‏وصفعة مدوية على وجه الضمير الجمعي‎.‎

   بدأت الحكاية بصورة، وانتهت بإنسان منزوع الكرامة، مصلوبًا ‏على خشبة الانتقام، لا لذنب قانوني أو جريمة مثبتة، بل فقط لأنه – في أعين ‏جلاديه – أهانهم. فأرادوا أن يردوا الإهانة بأخرى أكبر:

      جردوه من ‏ملابسه، وألبسوه قميص نوم نسائي، ليصبح أضحوكة في هواتف الناس ‏ومادة للسخرية في المقاهي، وسط صمت مخزٍ من الجميع، وعجز واضح عن ‏كبح جماح هذه الممارسات العدوانية‎.‎ ومن أسفٍ، كانوا يقلدون مشهدا رأوه في عمل درامي. 

       فهل بلغ بنا الحال أن يتحول العار إلى وسيلة للعدل؟ وهل صار ‏الإذلال ثمنًا يُدفع لاسترداد الكرامة؟ وهل يمكن لمجتمع يدّعي التحضر ‏أن يبرر التشهير العلني باسم الغضب؟ وهل يحق لفرد أن ينصب نفسه ‏قاضيًا وجلادًا في آنٍ واحد؟

       ما حدث لم يكن حادثًا فرديًا عابرًا، بل مشهدًا مكثفًا لانهيار منظومة ‏من القيم. لقد قرر بعض الأفراد خوض تجربة "القصاص الشعبي"، ‏متجاوزين الدولة والقانون، مستبدلين العدالة بالعار، والمحاسبة بالتشهير. ‏أرادوا سلب خصمهم "رجولته" كما توهموا، لكنهم – في الواقع – جردوا ‏أنفسهم من إنسانيتهم أولاً، وساهموا في تعزيز ثقافة لا تعرف الرحمة ولا ‏تؤمن بسيادة القانون‎.‎

       في ديننا الحنيف، الستر فضيلة، والعدالة مبدأ، والانتقام بغير وجه ‏حق محرّم. قال النبي ﷺ‎: "‎من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة‎." 

فأي شرف هذا الذي يُغسل بماء الإهانة؟ وأي رجولة تُقاس بإلباس الضحية ‏ثوب أنوثة قسرًا، وكأن الأنوثة عار يجب التبرؤ منه؟ وهل أصبحت الكرامة ‏لعبة في أيدي الغاضبين؟

     لقد تم انتهاك صورة الإنسان، لا جسده فقط. جُرِّد من كرامته، من ‏آدميته، من مكانته ككائن كرّمه الله. والأدهى من الجريمة ذاتها، هو ما ‏أعقبها: لا غضب جماهيري، لا بيان استنكار، لا صرخة من قلب القرية. بل ‏تحوّل المشهد إلى "حكاية طريفة" تُروى، وضحكة ساخرة تُتداول، ومشهد ‏يُستهلك كما تُستهلك الفضائح في زمن اللاوعي‎.‎

     هنا نلمس أزمة أعمق من الواقعة نفسها: تبلُّد الضمير الجمعي‎. 

إن الصمت على الظلم ليس حيادًا، بل مشاركة ضمنية. والمجتمع الذي لا ‏ينتفض للكرامة، سيُدفن معها يومًا ما. وغياب الاستنكار الشعبي مؤشر ‏خطير على ترسيخ ثقافة التوحش والردع الانتقامي خارج إطار العدالة. ‏فحين نبرر القسوة، نصير جزءًا منها‎.‎

      إننا نعيش عصرًا صارت فيه وسائل التواصل الاجتماعي ساحة ‏إعدام معنوي، تُنشر فيها الإهانات، ويُعاد تدويرها مئات المرات، دون أن ‏يسأل أحد‎:‎‏ أين القانون؟ أين الرحمة؟ أين الدين؟ ولماذا يغيب الصوت ‏العاقل حين يُهان الإنسان بهذا الشكل؟

    نحن بحاجة إلى إعادة تعريف الشرف‎:‎‏ ليس في صورة تُسرَّب، ولا ‏في لباس يُفرض، بل في السلوك، في العقل، في الرحمة، في احترام القانون. ‏فالقيم لا تُبنى بالتشهير، بل تُصان بالحكمة‎.‎

     من ينتقم بهذه الطريقة لا ينتصر لكرامته، بل يهينها. ومن يظن أن ‏الرجولة تُثبت بإذلال الآخرين، فقد نسي أن القوة الحقيقية في العفو، لا في ‏الإهانة‎.‎

     ما جرى جرس إنذار. ليس فقط للعدالة، بل لضميرنا المجتمعي‎.

     ينبغي أن نُعلّم أبناءنا أن من يستر أقوى ممن يفضح، ومن يعفو أشرف ممن ‏ينتقم، وأن الإنسانية لا تتجزأ حسب نوع الملابس أو جنس الضحية‎.‎

      وفي النهاية، ما نفعله بالآخرين، نفعله بأنفسنا‎.‎‏ ومن يُلبس غيره ‏قميص العار... قد لا يجد من يستره يوم يسقط‎.‎

شاهد أيضاً

مأمون الشناوى يكتب .. إطلالة الجمعة ولماذا إذا كان صوتك وحش؟!

الشيخ الذى يؤذن فى المسجد القريب منا صوته ردىء ، أجش متحشرج ، كأنه طريق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *