كنت أحسب أن قلبي هو المتألم الوحيد على الأرض، حتى لمست آلام البشرية بأسرها وفهمت أن عذابي ما هو إلا نقطة في بحر المأساة!
تمر الأيام وأنا عالقة عند لحظة بعينها، عشت معها تفاصيل الكابوس بحذافيره، وحتى الآن لم يهدأ أنين الوجع في روحي، ولن يهدأ تمامًا طالما أن الألم قد طال زاوية صادقة من الروح.
تساءلت وأنا على حافة السقوط في حفرة الاكتئاب: هل ما أعيشه هو انفراد الألم بي، أم أن العالم يحترق كذلك؟
اعتقدت في بداية الأمر أن العذاب هو عذابي وحدي، بينما الكل يغرق في الفناء ولا أحد يكترث بهذياني، حين تأملت الكون حولي ولم أجد سوى الحياة، في كل مكان حياة، أنوار ومهرجانات وأفراح، أحدهم يمزح مع صديقه بنكات مُستهلكة، فتاة عشرينية انتهت من جولة “شوبينج” بابتسامة عريضة، أطفال تتسابق بطائرات ورقية في سماء الغروب، كل شيء ينبض بالحياة، إلا أعماقي تتجمد!
فهل العيب في تكويني، أم للواقع رأي مختلف في قضية المعاناة؟
في الصباح الأول الذي اتخذت فيه قراري بأن أتحرر من حالة العزلة من بعد أيام الحزن السوداوية، أدركت معه المعنى الذي لا يقل عن حقيقة الموت، ربما هو الوجه الآخر له في الحياة الدنيا، إنه الألم.
وبعد معاركي مع الإدراك، شعرت بمدى غبائي حين تصورته قاصرًا على نبضي أنا فحسب، بل هو لي ولكم ولكل مخلوق على الأرض، وهو بطل القصة الإنسانية إلى صفحة النهاية.
ذلك الصباح، خرجت للعالم من جديد بخطوات متأرجحة بين الإصرار والانسحاب، واجهت الشارع والناس وأنا خائفة من شيء ما لا أعرفه، ولكن ما باليد حيلة سوى الركض وراء سراب الدنيا، لذا، كان لا بد من شجاعة وإن كانت الجروح نشطة وأقل النسمات تُلهب نزيف الماضي، وما رأيته أكد لي أن كل البشرية مجروحة.. لسبب ما!
كانت أول ضربة ألم وقعت على رأسي وأفقدتني الاتزان حين صادفت سيدة في سن الشيخوخة تستند على أكتاف المارة، أحدهم يلحق بها قبل أن تدهسها عجلات “ميكروباص” جامحة، والآخر يعطف عليها بـ “ملاليم” لا تكفي لشراء راحة البال، وغيره يتجنبها خشية أن تكون رئيسة عصابة أو محتالة في ثوب الضعف، لا أحد يعرف الحقيقة الكاملة في تلك اللحظة.. وهي وحدها تعرف.
وبعد دقائق معدودة بين نظرات من الاهتمام والتجاهل، رأيتها تنزوي بعيدًا عن الاتهامات حول أصلها وفصلها، واستسلمت إلى رصيف مكسور تبكي وتبكي على حالها الرث.
فما الذي يدفع سيدة في عُمر الأجداد إلى البكاء بهستيريا الأطفال؟!
ورغم خطواتي الثقيلة وقتها، قاومت ترددي بالسؤال عن أسباب ضعفها الذي أوجعني بحق.. ليتها اكتفت بالبكاء ولم تلتفت إلى سؤالي!
لقد تألمت أكثر منها حين أجابت بصوت يرتجف: “أنا مطرودة من بيتي”
إنها تبحث عن الأمان بعدما تخلى عنها الأبناء، فلم تجد سوى الرصيف ليحتضن خوفها وأيامها القليلة المتبقية من الزمن، لقد وجدت في الحجر رحمة لم تجدها في الإنسان!
لقد رأيت فيها ملامح أمي، هو عذاب فوق العذاب، أن تلتحم بمصيبة سيدة بسيطة تحلم بأقل حقوقها، النجاة من زحام المدينة فحسب، لم تطلب العطف بـ “سندوتش فول” حتى، أملها الوحيد هو العودة إلى سريرها ومطبخها والطمأنينة بأنها بين “أربع حيطان” تحميها من همجية الظنون و”رغيف عيش” يضمن لها الحياة لآخر اليوم.. ليس أكثر.
إنه شكل من أشكال الألم في الأرض، أن يصبح العادي أوهامًا في غمضة عين!
وهُناك على الجانب الآخر من الشارع، شاب في عُمر الورد يقبض على ملفات وأوراق بمنتهى القوة والحرص لدرجة أن أصابعه طبعت بصمتها على ورقة ورقة، يبدو أن كل خبراته في الحياة تتلخص في تلك المستندات “سي في” التي وإن ضاعت يضيع معها مستقبله للأبد!
رأيته يتحدث في هاتفه وهو يشتاط غضبًا ويطلب أي حلول تنقذه من الورطة وصدمته في النفوس، كان صوته مسموعًا حين صرخها: “رفضوني من الشغل، ليه؟!”
رفضوه في وظيفة أحلامه، كل أيام التعب والقلق والمحاولات تبخرت مع جرة قلم وضمير يحتضر، حتى قميصه الجديد، كما يبدو أنه اختاره بشغف البدايات والرغبة في اجتيار “الانترفيو” بهيئة أنيقة تليق بأحلامه الوردية، وها هو الألم يجبره على التنازل عنه واسترداد ثمنه ليوفر قوت يومه!
وفي تلك الأثناء، غرقت خطواتي في طوابير طويلة من جماعات بشرية على كل شكل ولون، إنها بوابة مستشفى مُتهالكة وربما هي من آثار الفراعنة، الكبير والصغير هُناك في انتظار دورهم في الكشف، كل ما استطعت رؤيته بوضوح هو تقارير طبية وفحوصات وتحاليل وشنط علاج بمثابة صيدليات مُتنقلة، وأضف عليهم صرخات المرض وأوجاع لا تُحتمل!
حتى الرضيع لم يفلت من الألم، كان ينتظر دوره كذلك في عيادة الباطنة على أمل أن يصل إلى طفولته بسلام.
لقد واجهت موقف كهذا من قبل، لحظة فهم حالتي وأول العلاج وترقب النتيجة، ولكني لدي القدرة على مقاومة الوجع بحكم نضجي وثباتي أمام “شكة” حقنة مسكنة أو مرارة مضاد حيوي، فكيف عن إحساس الرضيع بالألم وهو لم يتعرف على إحساسه بالحياة بعد؟!
لنقف الآن على نهاية منطقية..
الكل يتألم على الأرض، الكل بلا استثناء، إنها النتيجة الحاسمة التي توصلت إليها من بعد مشاهدات مزقت ما تبقى من نبضي!
قد تختلف الدرجة والطريقة، ولكنها تتفق في حقيقتها، فإن الإنسان في الكون لم يُخلق لتلك المثالية المزعومة، إنها مبتورة، حدوتة وهمية كما حواديت “أميرات ديزني” المُبهرة والخيالية في الوقت ذاته، والألم ينهي النقاش في تلك المسألة من الجذور!
كل ما أعرفه الآن أننا نعيش لنتألم، وربما نتألم لنعيش، الجميع له قصته الشخصية جدًا مع الألم، الكل يتعطش إلى مُواساة وطبطبة وعناق، قد نتأقلم، نتغافل، ولكننا لا نهرب.. أبدًا.
لقد بدأ معي الألم منذ أن كنت صغيرة بضفائر بريئة وقلب سليم.
حين توجعت على لُعبتي المُحطمة من فرط شقاوتي وجنوني، وعلى فستان طفولتي الذي ابتلعته كومة ملابسي الصيفي والشتوي ولم أجده حتى اللحظة ولو من باب الذكرى، وعلى أفكاري التي تصعق عقلي من حين لحين وأعجز كثيرًا عن التعبير عنها كما يجب، والآن على ندبات الروح.. والله أعلم بما تُخبئه لي الأقدار.
نعم، الكل يشرب من نفس الكأس، فلا تأخذكم خدعة المظاهر.
إن رأيتم أحدهم يلتمس تلك النكات المملة، فربما قلبه يعتصر على فراق الحبيبة وبحاجة إلى من يُهون عليه أزمة الشعور، أو تلك الفتاة التي تتمايل بالسعادة بعد “شوبينج” من كل أصناف الموضة، فقد يكون ثقل الفواتير كارثة تدفع ثمنها لاحقًا من نشوة الأنوثة، والطائرات الورقية فهي الملاذ الأخير للأولاد من “بُعبُع” الدراسة وحصص السابعة صباحًا من بعد السهر والكسل والنوم للعصر.
وأنا، كتاباتي وضحكاتي هي مجرد قناع صنعته لكي يستر دمار الحرب بداخلي!
إياكم وفخ المظاهر.
تمهل يا قلبي، وتنازلي يا نورا..
تنازلي عن العناد والغضب ودور الضحية وانظري للعالم نظرة عادلة، ليست روحي ذبيحة الألم وحدها في عالمنا النازف، فإن رائحة الأوجاع تفوح من كل مكان!










