المواهب الحقيقية هى التي شكلت أجمل فترات التاريخ الفني والمتتبع يجد أن معهد الموسيقى العربية قدم مئات المواهب في الموسيقى والغناء وفي إحدى دفعاته التي أطلق عليها دفعة المواهب اجتمع عبد الحليم حافظ وكمال الطويل وأحمد فؤاد حسن وعلي إسماعيل وفايدة كامل وقد قال أحمد فؤاد حسن رحمه الله : عندما جاء الزميل إسماعيل شبانة إلى معهد الموسيقى عام 1941 كان يصحبه شاب صغير قدّمه لنا على أنه شقيقه عبد الحليم وكانت تلك هى المرة الأولى التي عرفت فيها عبد الحليم حافظ ولفت نظري ونظر الزملاء بابتسامته الحزينة الآسية ولم تلبث الدهشة أن طوتنا جميعًا عندما علمنا أن الشاب الصغير النحيل يجيد العزف على آلة الأوبوا فسارعنا نلتف حول الصغير الموهوب الذي يجيد العزف على أصعب آلة موسيقية مشفقين على جسده الناحل ووجهه الدقيق من المجهود الضخم الذي يجب أن يبذله عازف هذه الآلة الصعبة .
أضاف الموسيقار أحمد فؤاد حسن رحمه الله : كنا قد تقدمنا بما يزيد على المائة من الموسيقيين للامتحان ونجح منهم عشرون موسيقيًا بينهم أنا وإسماعيل شبانة وعبد الحليم وانتظمت الدراسة في المعهد ولم نلبث أن أدركنا أن الشاب النحيل عازف الأوبوا يطوي بين جنبيه مواهب فنية فذة .. كان فائق الحساسية بل كانت حساسيته أشبه بجهاز التسجيل الذي يسمع اللحن مرة واحدة فيحفظه ويذيعه وكان صوته أكبر وأبرز هذه المواهب يملك سمعك إذا غنى ويجبرك على أن تُصغي له بكل حواسك وظللنا نتابع مراحل دراستنا وكنت قد اتجهت إلى التأليف الموسيقي ووضعت أولى مؤلفاتي وأعطيتها اسم البوهيمية .. كنا متلازمين دائمًا أنا وعبد الحليم بعد أن أصبحنا صديقين متلاصقين .. كانت البوهيمية جملة موسيقية تعرفها جميع الآلات وذات مرة حضر عبد الحليم ومعه آلة الأوبوا وعزف هذه القطعة عزفًا رائعًا وحوّلها إلى صولو أوبوا يعزفها هو وسُجلت على أسطوانة وكان عبد الحليم أيام الدراسة مجدًا في دراسته .. كان يقطن هو وشقيقه إسماعيل شبانة شقة في منيل الروضة وكان من عادته أن يغلق حجرته على نفسه ويروح يجود عزفه على آلة الأوبوا التي تخصص في دراستها حتى أوقات متأخرة من الليل وذات ليلة استيقظ إسماعيل شبانة على صراخ شقيقه عبد الحليم فاقتحم الباب ليجده مسمرًا أمام ثعبان كبير يهتز طربًا من أنغام الأوبوا وأفلح إسماعيل في أن يقتل الثعبان وإن كانت أعصاب عبد الحليم قد ظلت مضطربة ثلاثة أيام كاملة وعندما عاود الاستذكار والعزف على آلة الأوبوا من جديد فوجئنا ذات ليلة بصرخة كبيرة يطلقها عبد الحليم من حجرته وسارعنا إليه لنجده مغمى عليه وثعبان كبير ضخم حول آلة الأوبوا .. اشتبكنا مع الثعبان في معركة حطّمنا فيها كل ما تحويه الحجرة من أثاث حتى آلة الأوبوا قبل أن نقضي على الثعبان وفي هذا اليوم قرر عبد الحليم أن يهجر العزف على الأوبوا ليتفرغ للغناء خوفًا من الثعابين .
رحمة الله على أرواح إسماعيل شبانة وكمال الطويل وفايدة كامل وعلي إسماعيل وأحمد فؤاد حسن وعبد الحليم حافظ .










