حوار د. آمال طرزان
س- في البداية نود التعرف على الدكتورة رشا المهدي من حيث المولد والنشأة؟
وُلِدتُ في محافظة المنيا. كان والدي يعمل مهندسًا، بينما كانت والدتي ربة منزل، لكنها كانت مثقفةً تتمتع بمعرفة واسعة ووعي كبير، فعلَّمتنا الكثير. وجدي هو الشيخ مهدي، مؤسس الجمعية الشرعية في محافظة المنيا، وقد نشأتُ في بيتٍ يجمع بين الدين والعلم.
س- الطفولة هي المرحلة التي فيها تُبنى الأسس الأولى لشخصية الفرد، كيف كانت طفولتك؟ هل هناك ذكريات معينة أثرت فيك؟
منذ مرحلة الحضانة، كنت أشارك في كافة الأنشطة، ومن خلال هذه المشاركة اكتسبت مهارات التعبير عن أفكاري، وتعززت ثقتي بنفسي، كما طورت قدرتي على التواصل الفعال والالتزام. تُعد هذه المرحلة ذات أثر كبير في تشكيل شخصيتي الحالية بجانب المواقف والتحديات التي تثقل الشخصية. ومن أكثر الذكريات التي علقت في ذهني هي علاقة أسرتي بجارتنا المسيحية “طنط أم ناصف”، حيث كانت تربطنا بها أواصر الحب والود، لدرجة أن أختي عندما كانت على وشك الزواج، تزينت في شقتها. وعندما مرض زوج جارتنا، وقف والدي وأخي إلى جوارها لتقديم الدعم. تقاسمنا معًا لحظات الفرح والحزن، ولم يؤثر اختلاف ديانتنا على علاقتنا الإنسانية العميقة. أعد جارتنا المسيحية نموذجًا حيًا للوحدة الوطنية، حيث تجسدت بيننا مشاعر المحبة والألفة، مما يعكس تلاحمنا وتعاوننا في بناء مجتمع تسوده قيم السلام والتفاهم.
س- لماذا اخترتي دراسة علم النفس ؟ وكيف أثرت دراستك لعلم النفس على حياتك الشخصية والمهنية؟
في البداية، لم أكن أرغب في دراسة علم النفس؛ لأنني كنت شغوفًا باللغة العربية، وخاصةً البلاغة والشعر والإلقاء. ومن المعروف أن كلية التربية ليست أكاديمية بحتة، وقد تم تعييني فيها باحثًا بعقد مؤقت. وبعد عام، تم تعيني بقسم علم النفس التربوي في الجامعة. في ذلك الوقت، شعرت بحزن عميق لأنني سأبتعد عن اللغة العربية، وكنت أفكر في ترك التعيين لمتابعة شغفي بها. تحدثت مع الدكتورة “صفية سلام” عن رغبتي في تدريس اللغة العربية وعدم رغبتي في قبول التعيين الجديد، ولكنها شجعتني على قبول التعيين بقسم علم النفس. وبالفعل، كانت دراستي لعلم النفس نقطة تحول كبيرة في حياتي. أدركت أن الخيرة فيما اختاره الله عز وجل. من خلال دراستي لعلم النفس، أصبحت أكثر إدراكًا لكيفية التعامل مع الناس، وقادرًة على التفكير بشكل مختلف ومن زوايا متنوعة، وكذلك على حل المشكلات واتخاذ القرارات. أنني لا أنظر إلى المقرر الدراسي كمادة تعليمية فحسب، بل كأداة لتغيير الإنسان نحو الأفضل.
كيف يمكنني أن أساعد الطلاب والطالبات المحبطين واليائسين من خلال تدريس علم النفس الوجداني ليكونوا أفضل, و أشرح لهم أن هذا العلم يساعد على فهم وتأثر العواطف بالتفاعلات الاجتماعية، مما يعزز بناء علاقات صحية وداعمة. كما أنه يعلمنا كيفية مواجهة الضغوطات والتحديات بشكل أكثر فعالية، وفهم الاختلافات بين الأفراد في استجاباتهم العاطفية، مما يحسن جودة الحياة على المستوى الفردي والجماعي. هدفي هو أن يدرك كل طالب وطالبة الرسالة التي خُلقوا من أجلها، وأن يحققوا أهدافهم في الحياة بشكل أفضل.
س- ما أكبر التحديات التي واجهتيها في حياتك الشخصية و المهنية؟
كل مرحلة في حياة الإنسان لها تحدياتها وصعوباتها، وفي لحظة مواجهة هذه التحديات، يشعر الفرد أنها الأصعب والتحدي الأكبر في حياته، إلى أن يُواجه تحديًا جديدًا أكبر من سابقه، فيحتاج إلى مواجهته، وهكذا.
من بين التحديات التي واجهتها في حياتي، تحمُّل مسؤولية الحياة الأسرية بعد التخرج، حيث تزامن الحمل والولادة وتربية الأطفال مع انشغالي بالدراسة في مرحلة الماجستير والدكتوراه، بالإضافة إلى عملي في الأنشطة الطلابية. وبعد الثورة واجهت تحدي آخر هو، البدء في السعي لتوعية المجتمع بالعديد من المشكلات الاجتماعية، وقد منحني الله القبول بين الناس؛ لأن التوعية لا تتحقق دون قبول الناس لما يُقال.
ثم جاءت مرحلة الانتقال إلى المجلس القومي للمرأة، حيث واجهت تحديًا جديدًا يتمثل في كونها المرة الأولى التي أتعامل فيها مع المجتمع المدني، ومع الوقت استطعت التغلُّب على هذا التحدي والتوغل في كافة قرى ومراكز محافظة المنيا.
تلا ذلك المشاركة في مبادرة “كلنا معاك من أجل مصر” عام 2017، والتي تحولت لاحقًا إلى “حزب مستقبل وطن”، ثم انضممت إلى مجلس الشيوخ، حيث كان التحدي الأكبر هو كوني أول امرأة من محافظة المنيا تدخل انتخابات المجلس. خاصة أنني كما قلت سابقًا نشأت في بيت يجمع بين الدين والعلم، ولم يكن للسياسة حضور فيه، مما جعل هذه التجارب تحمل طابعًا خاصًا وتحديات إضافية.
كيف كان دور الرجل في حياة الدكتورة رشا مهدي؟ هل كان يمثل لها السند والدعم، أم كان رمزًا للقهر والاستبداد في مسيرتها الشخصية والمهنية؟
لا يمكنني الحكم على الرجال بشكل عام، فالأمر يختلف من رجل إلى آخر. بمعنى آخر، لا أستطيع التحدث عن الرجل كفكرة مجردة، بل عن الرجال كأفراد مرّوا في حياتي. منهم الإيجابي ومنهم السلبي.
في حياتي العائلية، منّ الله عليّ بزوج يدعمني ويشجعني ويساندني، فهو يتمنى لي النجاح. لذلك، نتشارك المسؤوليات الزوجية بشكل متكافئ. في بعض الأيام، عندما أضطر إلى العمل طوال اليوم، يكون هو من يعتني بالأبناء.
أما على المستوى المهني والعَمَلي، فقد قابلت بعض من النماذج كانت رمزًا للقهر والاستبداد.
س- كيف استطاعت الأستاذة الدكتورة رشا مهدي تحقيق التوازن بين الحياة الشخصية والمهنية والسياسية؟
أولًا حتى أحقق النجاح في الحياة لابد من الارتباط بالله عز وجل والإيمان التام بأن التوفيق بيده سبحانه وتعالى، مع الدعاء بأن يجعل الصلاح على يدي لعباده. لذا، فإن النية الصادقة والإخلاص في العمل أمران أساسيان، مع الإيمان بأن الإنسان لم يُخلق عبثًا، بل لرسالة يؤديها في الحياة، وهي في رأيي تقديم العون والمساعدة للآخرين. كما أن الإيمان بضرورة السعي مُستمد من قوله تعالى: ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) (النجم: 39).
وأعود لأؤكد أن الدور الرئيسي لزوجي ودعمه المستمر كان سببًا جوهريًا في تحقيق التوازن بين حياتي العائلية والمهنية والسياسية. بالإضافة إلى ذلك، كانت أمي رحمها الله تدعو لي دائمًا أن يجعلني الله مقبولة بين خلقه، والحمد لله فقد تحققت دعواتها، إلى جانب مساندتها ومعاونتها الدائمة لي في تربية الأبناء أثناء دراستي للماجستير والدكتوراه خاصة في مرحلة سفر زوجي خارج الوطن.
س – من الممكن أن تحديثنا عن الحملات التوعوية مثل “احميها من الختان” و”التاء المربوطة سر قوتك”؟ وهل أثرت هذه الحملات على المجتمع المحلي؟
حملات التوعية مثل “احميها من الختان” و”التاء المربوطة سر قوتك” تهدف إلى تعزيز حقوق المرأة والطفلة في المجتمع المصري. حيث يتضح لنا أن “احميها من الختان” حملة توعوية تسلط الضوء على المخاطر الصحية والنفسية لختان الإناث، وتدعو إلى حماية الفتيات من هذه الممارسة. وكذلك “التاء المربوطة سر قوتك” تحتفل بإنجازات النساء وتعزز الهوية النسائية، مشجعة الفتيات على الفخر بأنوثتهن. بالطبع أثرت هذه الحملات بشكل إيجابي، حيث زادت الوعي حول قضايا حقوق المرأة، وشجعت على النقاشات المجتمعية …إلخ.
س- كيف يمكن للجهات المختلفة التنسيق لوضع استراتيجيات فعالة للحد من زواج القاصرات؟ وما دور المجلس القومي للمرأة في التصدي لظاهرة زواج القاصرات؟
لابد من التعاون بين المجتمع المدني و الأسرة ودورة العبادة متمثلة في المسجد والكنيسية من خلال التوعية بمخاطر زواج القاصرات. وكذلك استخدام وسائل الإعلام . بجانب ضرورة تعزيز القوانين المتعلقة بزواج القاصرات وضمان تطبيقها بشكل صارم ومعاقبة من يخالفها.
أما بالنسبة لدور المجلس القومي للمرأة فقد تصدى للظاهرة من خلال توعية الأسر في القري والريف المصري بمخاطر زواج بناتهن القاصرات.
ما الدور الذي يؤديه المجلس القومي للمرأة في توعية المقبلات على الزواج والمتزوجات حول أهمية استقرار الحياة الزوجية وتعزيز الترابط الأسري، من حيث كون الوقاية أفضل من العلاج؟
قام المجلس القومي بإعداد ورش عمل في توعية المقبلات على الزواج والمتزوجات حيث تناولت ورش العمل تعريف المقبلين على الزواج بأساسيات اختيار شريك الحياة، بالإضافة إلى التخطيط للإنجاب مع التوعية بكيفية الحفاظ على صحة الأم والطفل. كما تم التركيز على التربية الإيجابية والتنشئة المتوازنة، مع التأكيد على أهمية مشاركة الزوجين في رعاية الابناء.
س- مع تزايد معدل الطلاق في المجتمع المصري هل هناك برامج حاليا يقوم بها المجلس القومي للمرأة لدعم المطلقات لمواجهة نظرة المجتمع النمطية لهن؟
يقدم المجلس القومي للمرأة العديد من الآليات والبرامج والتي منها خدمة: “مكتب شكاوى المرأة” للمطلقات الدعم القانوني والنفسي. وكذلك الخط الساخن والذي يمكن أن تصل اليه المطلقات من خلال التواصل مع رقم 15115. ليس ذلك فحسب بل يقدم المجلس القومي للمطلقات الاستشارة القانونية: لهن بالإضافة إلى وجود محامٍين متطوعين. إلى جانب الدعم النفسي والاجتماعي للمطلقات لمساعدتهن في تجاوز التحديات بعد الطلاق. كما يسعى المجلس لاقتراح مشروعات قوانين لتحسين أوضاع المرأة.
ننتقل إلى انضمامك إلى مجلس الشيوخ المصري
س- ما الدوافع الرئيسية التي جعلتكِ تقررين الترشح لمجلس الشيوخ في محافظة المنيا؟
قررت الترشح لمجلس الشيوخ في محافظة المنيا انطلاقًا من رغبتي القوية في تمثيل النساء وتعزيز أصواتهن في مجالس صنع القرار. أحلم بأن أساهم بشكل إيجابي في بلدي من خلال السعي نحو الإصلاح، وطرح قوانين وتشريعات تصب في مصلحة المواطن. أؤمن بأن مصلحتي تتماشى مع مصلحة الوطن، فضلاً عن سعي لتحقيق الذات.
س- ما أبرز التحديات التي واجهتيها خلال حملتك الانتخابية في محافظة المنيا لكونك امرأة ؟
لم أواجه صعوبة خلال الحملة الانتخابية لكوني امرأة، حيث كنت ضمن القائمة الانتخابية لحزب مستقبل وطن. من المعروف أن القوائم الانتخابية توفر للنساء فرصًا متساوية للمشاركة والمنافسة في العملية الانتخابية، والذي ترتب عليه كسر الحواجز الاجتماعية والثقافية التي قد تعيقهن في حملاتهن الانتخابية.
س-بصفتك عضو لجنة التعليم بمجلس الشيوخ كيف يؤثر التعليم على تمكين المرأة؟
تُعد مقولة الأديب طه حسين الشهيرة: “التعليم كالماء والهواء، وحقٌّ لكل إنسان”، تعبيرًا صادقًا عن الدور المحوري الذي يلعبه التعليم في حياتنا. فالتعليم هو الأساس المتين الذي تُبنى عليه الحضارات، وإذا أُحسنت العملية التعليمية وتم إعداد المعلمين بشكلٍ جيد، فإن ذلك ينعكس إيجابًا على جميع المهن، كالضابط والمهندس والطبيب وغيرهم، لما للتعليم من أثر بالغ في شتى جوانب الحياة.
أما فيما يتعلق بتأثير التعليم على تمكين المرأة، فعندما تحصل المرأة على التعليم، فإن ذلك يُعزّز من حقوقها ويُحسّن أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية. فالتعليم يمنحها الأدوات اللازمة لتكون أمًا مُدركةً لدورها في تربية أبنائها تربية سليمة، خاصة في عصرنا الحالي الذي يُوصف بعصر “السماوات المفتوحة”، حيث تتزايد التحديات وتتعقد البيئة المحيطة. على الصعيد المهني، يفتح التعليم أمام المرأة آفاقًا واسعة للعمل في مجالات متنوعة، ويُمكّنها من الوصول إلى مناصب قيادية في مختلف مؤسسات الدولة.
لذا، أؤكد على ضرورة تعليم المرأة، حيث إن الفائدة لا تقتصر عليها فحسب، بل تمتد لتشمل المجتمع بأسره. فعلى سبيل المثال، في العملية الانتخابية، قد يكون من السهل شراء صوت المرأة غير المتعلمة، بينما يكون من المستحيل التأثير على صوت المرأة المتعلمة الواعية بحقوقها وواجباتها. كما أن التعليم يُسهم بشكلٍ فعّال في تحقيق المساواة بين الجنسين وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، مما يعود بالنفع على المجتمع ككل.
س-تقدمتي باقتراح تعزيز ثقافة ريادة الأعمال في المناهج التعليمية في التعليم ما قبل الجامعي. هل يمكن أن يؤثر تعزيز ثقافة ريادة الأعمال على قضايا تمكين المرأة؟
لقد قُمتُ باقتراح تعزيز ثقافة ريادة الأعمال في المناهج التعليمية ما قبل الجامعية من خلال دمج مفاهيم ريادة الأعمال ضمن المناهج الدراسية لمختلف مراحل التعليم. يهدف هذا الاقتراح إلى تنمية مهارات الابتكار، وحل المشكلات لدى الطلاب منذ مراحل مبكرة. يأتي هذا الاقتراح في إطار الجهود الوطنية الرامية إلى دعم الشباب، وتأهيلهم للاندماج في سوق العمل، وتعزيز روح ريادة الأعمال لديهم.
أما فيما يتعلق بتعزيز ثقافة ريادة الأعمال في سياق تمكين المرأة، فإنها تتجلى في عدة جوانب، من أبرزها: زيادة الفرص الاقتصادية من خلال مساعدة النساء على تأسيس مشاريعهن الخاصة وإطلاق أفكار مبتكرة، مما يعزز نسبة رائدات الأعمال ويحقق لهن استقلالاً مالياً. بالإضافة إلى ذلك، يتضمن هذا التوجه التصدي للصور النمطية التي تفرضها العادات والتقاليد والثقافة، والتي تعيق النساء عن الانخراط في ريادة الأعمال. كما يسهم في تعزيز المشاركة المتكافئة بين الجنسين في المجالات العامة، حيث تمتلك النساء، مثل الرجال، القدرات العقلية نفسها التي تمكنهن من المشاركة الفاعلة في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها.
أودُّ التأكيد على أن كلامي هذا لا يعني أن تتخلى المرأة عن دورها الرئيسي والمحوري في حياتها العائلية والمنزلية، بل يسعى إلى تحقيق توازن بين الحياة العائلية والمهنية، بما يعود بالنفع على المجتمع ككل.
كيف ترى الدكتورة رشا مهدي دور المرأة المصرية في العملية السياسية المستقبلية؟
أرى أن المرأة المصرية أصبحت تؤدي دوراً متنامياً في العملية السياسية، سواء عبر المشاركة في الانتخابات أو الانخراط في الأحزاب السياسية. وأؤكد أن تمكين المرأة سيقود إلى تغييرات إيجابية في المجتمع، بما في ذلك تعزيز الديمقراطية والمساواة. ومع ذلك، أشير إلى أن المرأة ما تزال تواجه تحديات مثل التمييز والعنف، والتي تتطلب جهوداً جماعية للتغلب عليها. واتوقع أن تزداد مشاركة المرأة في الحياة السياسية مستقبلاً، مما يعكس تحولاً نحو مجتمع أكثر تنوعاً وشمولية. بشكل عام، تُبرز رؤيتي الدور الحيوي للمرأة في بناء مستقبل سياسي أفضل لمصر.










