يغوص كتاب “في عنبر العقلاء: السينما النفسية بين الطب والواقع والشاشة” للكاتب والصحفي محمد رفعت، الصادر عن دار أم الدنيا عام 2024، في رحاب العلاقة المعقدة والمتشابكة بين الفن السابع وعوالم النفس البشرية. يقدم هذا العمل استعراضًا بانوراميًا لكيفية تجسيد الاضطرابات النفسية على الشاشتين المصرية والعالمية، مبرزًا بوضوح الشغف الأبدي لصناع الأفلام بتناول هذه القضايا، ومسلطًا الضوء على التباينات الجوهرية في مقاربة كل من السينما المصرية والعالمية لهذا الموضوع الشديد الحساسية.
تستهل المقدمة تأكيدًا على أن الفن ليس سوى مرآة صادقة للمجتمع، تعكس آلام البشر ومعاناتهم. يشير رفعت إلى أن المرض النفسي، بتجلياته المتعددة، قد ظل على الدوام مادة خصبة للأعمال الدرامية. غير أن عين المؤلف النقدية تلحظ أن السينما المصرية قد انحازت، في غالب الأحيان، إلى الطابع الكوميدي والهزلي في معالجتها للاضطرابات النفسية، خلافًا للطرح العلمي الجاد الذي قدمته السينما العالمية. ولتعزيز هذا الطرح، يستدعي الكاتب آراء نخبة من اختصاصيي علم النفس، التي تؤكد أن الصورة الكارثية للمرضى النفسيين في الأفلام المصرية قد رسخت وصمة العار وعززت فكرة أن من يلجأ إلى الطبيب النفسي هو “مجنون أو مخبول”، وهو ما يتجافى تمامًا مع المنهج العلمي الرصين.
يتتبع الكتاب مسار الأمثلة التاريخية لأفلام مصرية أسهمت في ترسيخ هذه الصورة النمطية، مثل “إسماعيل يس في مستشفى المجانين”، غير أن رفعت لا يتجاهل الإشارة إلى الاستثناءات القليلة التي قدمت محتوى دقيقًا ومدروسًا، مثل مسلسل “سقوط حر” وفيلم “آسف على الإزعاج”. على النقيض، يوجه الكتاب نقدًا لأعمال أخرى مثل “حكاية حياة” و”الفيل الأزرق” التي قدمت صورًا مشوهة أو ربطت المرض النفسي بالخرافة، مؤكدًا على ضرورة أن تتجنب السينما هذه المواضيع التي تتداخل مع المفاهيم المجتمعية الخاطئة.
يستعرض المؤلف كذلك رؤى متباينة من نقاد وأكاديميين، ترى أن الأفلام المصرية بدأت في إظهار البنية النفسية للشخصيات بجدية أكبر منذ خمسينيات القرن الماضي، مشيدة بأفلام مثل “باب الحديد” و”بئر الحرمان” و”أين عقلي” لعمقها وتحليلها النفسي السليم. كما يوضح أن تأثير السينما على الجمهور في الماضي كان أعمق بسبب ندرة مصادر المعلومات، في حين أصبح الجمهور اليوم أكثر تمحيصًا وانتقادًا.
يخصص الكتاب فصولًا متكاملة لأنواع محددة من الاضطرابات النفسية، متناولًا كيفية تجسيدها سينمائيًا، ومنها الوسواس القهري، الاكتئاب، التوحد، الشخصية السيكوباتية، مرض الزهايمر، والإدمان. في كل فصل، يقدم رفعت لمحة تعريفية موجزة عن المرض، ثم يستعرض قائمة بأبرز الأفلام المصرية والعالمية التي تناولته، مع تحليل نقدي لمدى دقة التجسيد ومساهمة الفيلم في زيادة الوعي المجتمعي. ويبرز الكتاب كذلك صورة الطبيب النفسي على الشاشة، مستعرضًا التباين الشاسع في تقديمه، ويؤكد على خطورة الصورة المشوهة التي قد تؤثر سلبًا على المرضى الحقيقيين. كما يناقش العلاج بالسينما (السينماترابيا) والسيكودراما كأدوات علاجية تكميلية، موضحًا فوائدهما الجمة في التنفيس الانفعالي وتطوير الذات، مما يفتح آفاقًا جديدة في فهم العلاقة بين الفن والشفاء النفسي.
يتميز الكتاب بشمولية وعمق لافت في تغطيته لمجموعة واسعة من الاضطرابات النفسية، ويقدم تحليلًا شاملًا لتناول السينما لها، مدعومًا بآراء متخصصين وأمثلة غنية. إن الطريقة التي يعرض بها الكتاب هذه الأفلام، سواء بوصف موجز أو بتحليل أعمق، تفتح للقارئ آفاقًا واسعة لاستكشاف هذا التراث السينمائي الثري. كما أن تركيزه على السينما المصرية يبرز خصوصية التجربة المحلية وتطورها في معالجة هذه القضايا، مع تقديم إضاءات قيمة على التجارب العالمية الرائدة التي أثرت هذا المجال. وفي ختامه، ينسج الكتاب رؤى متكاملة حول العلاقة بين الفن والصحة النفسية، ملهمًا القارئ للتفكير في دور السينما كقوة توجيهية ووعي مجتمعي. إن قراءة هذا النوع من الكتب تتيح لنا فهمًا أعمق لكيفية انعكاس تعقيدات النفس البشرية على الشاشة الكبيرة، وتساعدنا على رؤية الفن ليس فقط كترفيه، بل كأداة قوية للتوعية والتأمل في ذواتنا ومجتمعاتنا.
بعيدًا عن النقد التقليدي الذي يغوص في تفاصيل المحتوى وأسلوب الكتابة، يمكن النظر إلى هذا الكتاب من منظور آخر يبرز قيمته الجوهرية بوصفه جسرًا معرفيًا. فقدرته على تقديم مفاهيم نفسية معقدة بأسلوب سلس وجذاب لغير المتخصصين، وتحويلها إلى مادة سهلة وملموسة، يجعله إضافة فريدة للمكتبة العربية. ففي مجال النقد السينمائي وعلم النفس، إنه يقدم رؤية ثاقبة حول تأثير الفن على الوعي المجتمعي بقضايا الصحة النفسية، ويدعو إلى مقاربة أكثر مسؤولية ودقة في تناولها على الشاشة. فهو عمل يستحق القراءة المتأنية لكل مهتم بالسينما، أو علم النفس، أو العلاقة العميقة بينهما؛ فهو ليس مجرد كتاب، وإنما دعوة للتأمل في مرآة الفن التي تعكس أعمق جوانب الروح البشرية.










