تصر إسرائيل على أن تحارب معركتها الأخيرة، ويتصور رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو أن الفرصة سانحة للضرب في كل الجبهات تمهيدا لإعلان قيام دولة إسرائيل الكبرى، وتنفيذ وعده بتغيير الشرق الأوسط، باعتباره ملك إسرائيل الجديد، الذي سيعيد بناء الهيكل ويحيي مملكة داوود وسليمان عليهما السلام، هو الآن يرفض كل المبادرات التفاوضية، ويدمر غزة ويقتل أهلها، ويستولي على القدس ومفدساتها، ويضم الضفة الغربية ليترك سلطة أبو مازن عارية في الفضاء، ويمزق سوريا ولبنان من الداخل، ويقطع كل خيوط السلام، فلم يعد بحاجة إليها بعد أن أدت مهامها واستوفت أغراضها، كما لم يعد بحاجة إلى المراوغة والتخفي وراء الكلمات الناعمة.
كما أنه لم يعد بحاجة إلى الحلفاء الذين ساندوا قيام دولة إسرائيل، وتعهدوها بالتمويل والتسليح، وصار يراهم عبئا على مشروعه التوسعي، ولم يجد غضاضة في شيطنتهم واتهامهم بالعداء للسامية لأنهم يرفضون خططه، ويعتبرونه خطرا وجوديا على مستقبل إسرائيل، وفي مقدمة هؤلاء فرنسا وإسبانيا وهولندا والنرويج، وغيرها من الدول التي أعلنت استعدادها للاعتراف بدولة فلسطينية.
نتنياهو هو وجه إسرائيل السافر الصريح، وما عداه أفنعة زائفة، والعيب فيمن وثق بالأقنعة واطمأن إليها، وتصور أن بالإمكان العيش في سلام وأمان مع اللص سارق الدار، بينما يد اللص تعيث في الدار فسادا وتخريبا ونهبا، حتى حانت المكاشفة، واتضح أن اللص اللعين قد تمكن من الدار، ونفث سمومه في كل شبر منها.
وسوف يكتب التاريخ أن كل الوسائل التفاوضية فشلت مع نتنياهو، ومع شريكه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يحمل الغطرسة الصهيونية نفسها، لكن شاء الله تعالى أن تصطدم هذه الغطرسة بصخرة غزة الصلبة، وأن يكون الدم الفلسطيني هو السلاح الأمضى لتنظيف العقول من الترهات التي روجوا لها حول التسامح والتعايش وحوار الأديان خلال قرن من الزمان، ولإنقاذ أمتنا من التغلغل اليهودي الذي تدثر برداء السلام والتطبيع كي يفرض عليها هيمنته، ويجعلها بين أصابعه.
لقد شاء الله تعالى أن تكون غزة هي بؤرة المقاومة المباشرة الصريحة، وأن يكون بلاؤها هو ترياق الأمة وسر صحوتها، حتى ترى إجرام الصهاينة على حقيقته، بل تكون سببا في أن يستفيق المواطن الأمريكي والأوروبي من سحر الصهاينة الأسود، وأن ينقلب عليهم، ويستعيد صورة اليهودي المرابي الجشع الجبان القاسي، الذي لايعرف الرحمة، ولا يعرف الخجل أو العرف، وكلما فتح له باب أراد آخر، تلك الصورة الكريهة التي رسمها الأدباء والشعراء الكبار أمثال شكسبير الإنجليزي في مسرحيته (تاجر البندقية)، وموليير الفرنسي في مسرحيته (البخيل).
ولعل موجة الغضب الشعبي ضد إسرائيل واليهود التي تعم أوروبا وأمريكا ومعظم بلاد العالم حاليا تكون بداية لتاريخ جديد تكتبه إرادة الشعوب في تلك البلدان مع إرادة الشعوب العربية والإسلامية لتصويب أخطاء الماضي، تسقط فيه أكذوبة التراث اليهودي المسيحي الواحد، فما جاء السيد المسيح عليه السلام إلا ليصحح انحراف اليهود، وتعلو فيه صيحة: “ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى”.
وتبقى المقاومة في غزة هي نقطة انطلاق هذا المسار التصحيحي، وشرارة التغيير العظيم الذي هز العالم بأسره، وهز إسرائيل من داخلها، حتى رأينا الحاخامات يتظاهرون ضد نتنياهو في مشهد غير مسبوق، يمزقون صوره وينادون بإقالته، ويرفضون اقتحام غزة، ويطالبون مع أسر الرهائن وأهالي الجنود والضباط بوقف الحرب وتبادل الأسرى.
ونشرت الصحف الأمريكية صورا لزيارة قام بها وفد من هؤلاء الحاخامات إلى البيت الأبيض لحث ترامب على لجم نتنياهو وإيقاف الحرب، وهو ماوصفه المراقبون بأنه بداية انقلاب داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث تنقلب المؤسسة الدينية لأول مرة على رأس السلطة، وهي التي كانت على الدوام داعمة لها ومدافعة عنها.










