أكاد أجزم أنه لا توجد منطقة في العالم يتباين فيها الواقع الموضوعي عن السياسة الخارجية الأميركية مثل الشرق الأوسط. الغزو الأميركي للعراق، و«أجندة الحرية»، ومختلف صيغ عملية السلام الإسرائيلية – الفلسطينية كلها أمثلة على تقاطع الأوهام الأميركية مع الفشل خلال العقود الماضية. ومع ذلك ما تزال هذه الأوهام قائمة.
ليس هناك مثال أوضح في الوقت الراهن من التحركات الهادئة لما لا يقل عن 26 عضوًا ديمقراطيًا في الكونغرس الأميركي يؤيدون الاعتراف بدولة فلسطينية. الأسبوع الماضي، قال النائب رو خانا من كاليفورنيا، الذي يقود هذا الجهد، في اجتماع علني بمجلس العلاقات الخارجية إن الاعتراف الأميركي بفلسطين سيعزز حل الدولتين. وقال: «هذا سيمنح الناس في المنطقة الأمل، ويقدم حلاً ملموسًا بعيدًا عن حماس».
وبغض النظر عن الحجة الأخلاقية واهتمام خانا الجاد بحل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني لصالح الطرفين، فإن رؤيته تكاد تتطابق مع ما طرحه الرئيس جورج بوش الابن قبل 23 عامًا: دولتان ديمقراطيتان – إسرائيل وفلسطين منزوعة السلاح – تعيشان جنبًا إلى جنب في سلام. كل ما فعله خانا هو قلب التسلسل، بوضع الاعتراف بفلسطين قبل تحقيق السلام.
لكنه عجز عن توضيح كيف يمكن للاعتراف أن يؤدي إلى النتيجة التي يريدها، في تجاهل شبه كامل للواقع السياسي في المجتمعين الإسرائيلي والفلسطيني. كان حل الدولتين أصلاً احتمالاً ضعيفًا قبل 7 أكتوبر 2023، أما هجمات حماس على إسرائيل في ذلك اليوم والحرب اللاحقة في غزة فقد جعلت تخيله شبه مستحيل.
إشارات خانا المتكررة إلى سياسيين إسرائيليين انقرضت أهميتهم منذ زمن طويل – مثل يتسحاق رابين الذي اغتيل عام 1995، وشمعون بيريز الذي توفي عام 2016، وإيهود باراك الذي ترك رئاسة الحكومة منذ نحو ربع قرن – تكشف رغبة أميركية نموذجية في أن يكون العالم كما نشتهي لا كما هو عليه في الواقع.
وليس خانا وزملاؤه وحدهم في ذلك. إدارة ترامب أيضًا تمارس «التمنّي» فيما يخص نزع سلاح حزب الله وحماس. فالهجوم الإسرائيلي على لبنان، الذي بدأ في سبتمبر 2024 بهجوم «البيبر» الشهير، أتاح تحرير النظام السياسي اللبناني من قبضة حزب الله، ما سمح بانتخاب رئيس جديد بعد اثنتي عشرة محاولة سابقة، وتعيين رئيس وزراء جديد. وقد بدأ الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام منذ ذلك الوقت عملية تفكيك «الدولة داخل الدولة» التي بناها حزب الله على مدى أربعة عقود.
ومع ذلك، ورغم كل الإنجازات العسكرية الإسرائيلية والنوايا الطيبة لزعماء لبنان الجدد، لم يتم تدمير حزب الله. صحيح أنه أضعف مما كان عليه، لكنه ما زال يحتفظ بالسلاح، وكوادره ما زالت متحمسة، وإيران لم تتخل عن إعادة بنائه. ولهذا السبب تواصل إسرائيل «فرض» وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه واشنطن في نوفمبر الماضي في لبنان عبر ضربات عسكرية متفرقة – وهذا أيضًا سبب رغبة فريق ترامب في نزع سلاح حزب الله.
في هذا السياق، اقترح السفير الأميركي في تركيا توم باراك – وهو مبعوث شرق أوسطي لا يقل شأنًا إلا عن ستيف ويتكوف – خطة من أربع مراحل تمكّن القوات المسلحة اللبنانية من تحقيق هذا الهدف. لكن باراك قد يقلل من خطورة مدى تفجّر الوضع الذي قد يسببه نزع سلاح حزب الله. كيف يمكن لتنظيم قائم على «المقاومة»، تعلن رايته أنه «حزب الله» و«المقاومة الإسلامية في لبنان» مع صورة بندقية مرفوعة، أن يتخلى عن السلاح؟ إن ذلك أشبه بمطالبة حزب الله بألا يكون حزب الله.
هذا هدف نبيل، لكنه هل يمكن تحقيقه – خصوصًا بحلول نهاية العام كما تطالب إدارة ترامب؟ عندما عرض القادة العسكريون اللبنانيون خطتهم لنزع السلاح على الحكومة في أوائل سبتمبر، انسحب الوزراء المرتبطون بحزب الله من الاجتماع.
لا شك أن كثيرًا من المواطنين السنة والمسيحيين والدروز في لبنان يدعمون نزع سلاح حزب الله، لكن من غير المرجح أن يكون الشيعة كذلك. فقد شكلت أسلحة حزب الله مصدر قوة للشيعة الذين يفوق عددهم تأثيرهم في النظام الطائفي اللبناني حيث تُوزع المناصب الأساسية على الطوائف: الرئيس دائمًا مسيحي، ورئيس الوزراء سني، ورئيس البرلمان شيعي. زعيم حزب الله نعيم قاسم – خليفة حسن نصر الله الذي قُتل في غارة إسرائيلية في سبتمبر 2024 – هو قائد عسكري وسياسي في آن واحد. والموافقة على نزع السلاح ستقوض دعمه. ويقول نواب حزب الله إن الخطة المقترحة من الجيش – التي لم تُكشف تفاصيلها علنًا – تمثل «خضوعًا كاملًا من اللبنانيين للحكومة الأميركية». ويتساءلون لماذا يجب أن يتخلى حزب الله عن سلاحه قبل أن تنسحب إسرائيل من خمس نقاط تحتلها في جنوب لبنان.
بالطبع، يمكن للجيش اللبناني استخدام القوة، لكن خطر العنف واضح. قد لا يكون حزب الله نداً للجيش الإسرائيلي، لكن البنادق الهجومية وقاذفات الـ«آر بي جي» والأسلحة الثقيلة الأخرى التي ما يزال يمتلكها تشكل تهديدًا للسلم والتماسك الاجتماعي في بلد عانى ندرة هذين الأمرين خلال نصف القرن الماضي. تبدو إدارة ترامب وغيرُها في واشنطن ساذجة بشأن عواقب مواجهة مسلحة بين حزب الله والقوات اللبنانية.
بالطبع، أنا مستعد لأن أُفاجأ. شهد الشرق الأوسط خلال العامين الماضيين الكثير من اللحظات الصادمة. ربما حزب الله أضعف مما يعتقد الناس، وربما يستطيع الجيش اللبناني أن يسحب كل بندقية ورصاصة من أيدي الحزب. ومع ذلك، ما زلت متشككًا في أن القادة اللبنانيين يريدون المخاطرة. ولهذا السبب يبدو لي أن عملية أطول وأكثر تدريجية من المفاوضات والصفقات تحت الطاولة، قد تُبقي حزب الله محتفظًا ببعض السلاح كمكوّن مساعد للقوات المسلحة، هي مقاربة أكثر واقعية وحكمة من خطة باراك.
هناك دينامية مشابهة تجري فيما يخص حماس (الحركة الإسلامية للمقاومة). فلن تتخلى الحركة عن سلاحها إلا إذا أُجبرت على ذلك، ورغم كل جهود إسرائيل وقوتها النارية لم تتمكن من إجبار حماس على الاستسلام. المطالبة بنزع سلاح الحركة ليست أمرًا سيئًا في حد ذاته، لكنها هل تتوافق مع الواقع؟ لا. وهذا ليس رأيي وحدي – بل رأي رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الذي نصح الحكومة بقبول مقترحات وقف إطلاق النار الأخيرة.
لا شك أنه سيكون أمرًا جيدًا لو قامت دولة فلسطينية تعيش جنبًا إلى جنب وفي سلام مع إسرائيل. وسيكون أمرًا إيجابيًا أيضًا لو تخلى حزب الله وحماس عن سلاحهما. لكن الواقع يجعل هذه الأهداف بالغة الصعوبة. يثير استغرابي أن خانا – الديمقراطي التقدمي – يستعير صفحة من كتاب بوش الذي يعود إلى عقدين من الزمن ليس فقط في رؤيته لدولتين بل أيضًا في الانخراط الأميركي الكثيف في الشرق الأوسط وما يتطلبه من عمليات سلام وبناء دول.
وبالمثل، من الغريب أن إدارة ترامب مستعدة للانخراط في قضية معقدة مثل نزع السلاح، خاصة في لبنان، وهذا يتناقض مع الأفكار التي طرحها الرئيس خلال زيارته إلى الخليج في مايو حين رفض هذا النوع من التدخل الأميركي.
من الجدير بالثناء أن يرغب المسؤولون الأميركيون في جعل العالم مكانًا أفضل، لكن عندما تتباعد سياستك عن واقع العالم، يكون الفشل هو النتيجة المرجحة. يكفي النظر إلى سجل الولايات المتحدة خلال العقود الثلاثة الماضية.
ستيفن إيه. كوك يكتب في فورين بوليسي










