تعاظم الحديث عن السياسات الرقميـة وقضـاياها بشـكل واضــــح فــــي الآونــــة الأخيــــرة، وخصوصًــــا بعــــــد أزمــــــة فيــــــروس كورونــــــا، الــــــذي فــــــرض علــــــى العالــــــم عمليــــــة تحــــــول رقمــــــي فــــــي قطاعــــــات عديـــــدة بشـــــكل متســـــارع، وثمّـــــة مجموعـــــة مـــــن الاعتبـــــارات يجـــــب مراعاتهـــــا عنـــــد طـــــرح مســـــألة السياســــــات الرقميــــــة،
ينطلــــــق الاعتبــــــار الأول مــــــن حقيقــــــة مفادهــــــا أنــــــه لا مجــــــال للفصــــــل بيــــــن السياســـات الواقعيـــة والرقميـــة، فكلتاهمـــا متكاملتـــان فـــي الأهـــداف ومختلفتــــان مــــن حيــــث المجــــال المكانــــــي،
حيــــــث إن جغرافيــــــا السياســــــات الرقميــــــة تتحـــرك علـــى صـــعيد الفضـــاء الســـيبراني، هـــذا ويتمثّــل الاعتبــار الثانـــــي فـــــي النظـــــرة التكامليـــــة للسياســـــات الرقميـــــة، فهـــــي سياســات تتحــرك علــى مســـتويات متعـــددة ومجـــالات شـــتى، اجتماعيــــــة وثقافيــــــة وتقنيــــــة واقتصاديــــــة وسياســــــية وغيرهــــــا، وينطلــق الاعتبـــار الثالـــث مـــن حقيقـــة تنظــر إلـــى السياســـات الرقميـــــة فـــــي إطـــــار عالمـــــي، فعلـــــى الرغـــــم مـــــن كونهـــــا ترتبـــــط بســـــياقات الدولـــــة القوميـــــة، فإنـــــه ينبغـــــي عـــــدم إغفـــــال البُعـــــد العالمـــــي الـــذي تتحـــرك علـــى صعيـــده. )
مكنت ثورة المعلومات والاتصـالات التـي شـهدها العـالم خـلال التسـعينيات مـن القـرن الماضـي مـن تعزيــز دور الاقتصــاد الرقمـــي فــي العديــد مــن منــاحي الحيــاة، حيــث أصــبحت الاتصــالات وتقنيـــة المعلومات تلعب دوراً كبيراً في دعم أداء القطاعات الاقتصادية المختلفة من خلال مسـاهمتها فـي زيادة مستويات الكفاءة عبر تقليل الكلفة والوقـت اللازمـين لإنجـاز المعـاملات الاقتصـادية والماليـة وتحسين إنتاجية العمالة وزيادة مستويات التنافسـية. مـن جانـب آخـر، ارتـبط تنـامى دور الاقتصـاد الرقمـــي خـــلال العقـــدين الأول والثـــاني مـــن الألفيـــة الجديـــدة مـــع بـــزو التقنيـــات المرتبطـــة بـــالثورة الصناعية الرابعة من بينها تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات الكبيرة وأنترنت الأشياء والحوسبة السحابية .
رغم عدم وجود تعريف محدد متفق عليه للاقتصاد الرقمي، إلا أنه يمُكن في هذا السـياق الإشـارة إلى التعريف المُقترح من قبـل منظمـة التعـاون الاقتصـادي والتنميـة بكونـه يمثـل “جميـع الأنشـطة الاقتصــادية التــي تعتمــد علــى اســتخدام المــدخلات الرقميــة بمــا فــي ذلــك التقنيــات الرقميــة، والبنيــة التحتيـة الرقميــة، والخــدمات الرقميـة، والبيانــات أو تلــك التـي يســاعد اســتخدام مـدخلات رقميــة علــى دعمهــا وتعزيزهــا بشــكل كبيــر، بمــا يشــمل جميــع المنتجــين والمســتهلكين، بمــا فــي ذلــك الحكومــة.”
إن أهمية مناقشة الفجوة الرقمية في العصر الحديث تنبع من الدور الحيوي الذي تلعبه التكنولوجيا في جميع جوانب الحياة اليومية. فمن خلال التكنولوجيا، يمكن تحسين جودة التعليم، تعزيز الخدمات الصحية، وفتح أبواب فرص اقتصادية جديدة. لكن، مع تزايد اعتمادنا على العالم الرقمي، أصبح عدم توفر هذه التكنولوجيا للبعض عقبة كبيرة تؤدي إلى مزيد من التهميش الاجتماعي والاقتصادي.
تتسع الفجوة الرقمية بفعل عوامل عديدة، مثل التفاوت الاقتصادي، نقص البنية التحتية التقنية، وانخفاض مستوى التعليم الرقمي. هذا التفاوت لا يقتصر على الفجوة بين الدول المتقدمة والنامية فحسب، بل يظهر أيضًا داخل الدولة الواحدة بين المناطق الحضرية والريفية، وبين مختلف الفئات الاجتماعية والعمرية. لتكنولوجيا تحفز الإنتاج، والإنتاج يحفز النمو.. ولكن مع ازدهار التقنيات الرقمية، تباطأ الإنتاج بدلا من تسارعه. هذا تناقض عظيم في عصرنا الحالي.
قد أبهرتنا التقنيات الجديدة ولكنها لم تحقق العائد المتوقع من نمو الإنتاج الكلى. بدأ تباطؤ الإنتاج في الاقتصادات المتقدمة في ثمانينيات القرن الماضي، وفى العقد الماضي تباطأ الإنتاج في الكثير من الاقتصادات الناشئة.. مع تباطؤ الإنتاج، ازداد التفاوت في الدخول، وزاد عدم المساواة في جميع الاقتصادات المتقدمة منذ ثمانينيات القرن الماضي، مع تركز الدخول في فئات معينة، ولم تفلت الكثير من الاقتصادات الناشئة من هذا التفاوت.
ولكنه في حين أن عدم المساواة في الدخل آخذ في الارتفاع داخل العديد من الدول فى العقود الأخيرة، فإن عدم المساواة بين الدول آخذ فى الانخفاض، وذلك بفضل صعود اقتصادات ناشئة ذات نمو سريع يعمل على تضييق فجوة الدخل مع الاقتصادات المتقدمة.. التغير التكنولوجي يطرح تحديات جديدة لهذا التقارب الاقتصادي.
اعتمد التقدم الاقتصادي في الاقتصادات الناشئة على الاقتصادات كثيفة العمالة، ولكن هذه الميزة ستتناقص أهميتها مع تقدم أتمته الأعمال، ما يعيق مسارات التنمية التقليدية. ستضيف جائحة كورونا إلى التحديات التي تواجه الاقتصادات الناشئة، بعرقلتها لسلسلة التوريد وظهور تأييد أقوى لاستعادة الاقتصادات المتقدمة لعمليات الإنتاج بداخلها.
الاقتصاد الأمريكي يعد مثالا على ذلك، التقدم التكنولوجي وتباطؤ الإنتاج وزيادة عدم المساواة. كانت الولايات المتحدة هي الرائدة عالميًا فى الثورة الرقمية، ومع ذلك تباطأ الإنتاج بشكل كبير منذ أوائل القرن الحادي والعشرين، حتى مع استمرار تقدم التقنيات فى العقدين التاليين، وزيادة أتمتة الإنتاج وتعقيدها.. عدم المساواة فى الدخل آخذ فى الارتفاع، تركزت الثروة فى أيدى 1% من ذوى الدخول المرتفعة، زادت الأعباء على الطبقة الوسطى،
وظل الدخل الحقيقي منخفضا فترات طويلة، وازداد انعدام الأمن الوظيفي مع تصاعد المخاوف من غزو الروبوتات. هذا التفاوت فى الدخول وعدم المساواة سيزيد الأمر سوءا مع الاستياء الشعبي المتزايد والاستقطاب السياسي الموجود اليوم.
التغير التكنولوجي يحدث انتقالات صعبة. يخلق رابحين وخاسرين. ستلعب السياسات دورا حاسما فى تمكين الشركات والعاملين وإتاحة سبل الوصول إلى الفرص الجديدة وتعزيز قدرات التكيف مع التحديات الجديدة.. ولكن في الواقع، تباطأت السياسات والمؤسسات فى التعامل مع تحديات التغير التكنولوجي. يرتبط تباطؤ نمو الإنتاج وتزايد عدم المساواة ارتباطًا وثيقًا بالطريقة التى تفاعلت بها التقنيات الجديدة مع السياسات السائدة والبيئة المؤسسية، فهناك علاقة قوية وترابط بين التكنولوجيا والسياسات والإنتاجية وتوزيع الإنتاج.
كيفية انتشار التكنولوجيا داخل الاقتصاد مهم لنمو الإنتاجية وتوزيع الدخل. ولكن حتى الآن، لم تنتشر فوائد الابتكارات الرقمية على نطاق واسع عبر الشركات وتم الاستيلاء عليها فى الغالب من قبل عدد صغير نسبيًا من الشركات الكبيرة.
يعكس التباطؤ فى الإنتاجية، فى الأساس، تفاوتًا متزايدًا فى الإنتاجية بين الشركات، والذى يخلقه ضعف المنافسة الناتج عن الحواجز التى تعيق انتشار التقنيات الجديدة ويتسبب فى ارتفاع مستمر فى فجوات الإنتاجية والربحية بين الشركات.
التقنيات الجديدة تجعل الفائز يحصل على كل شىء. فالميزات يحصل عليها من يتحرك أولا ومن يمتلك البيانات الضخمة، لتخلق ما يمكن تسميته «شركات لامعة». هذه الشركات المهيمنة صعدت فى مجال الاقتصاد غير المادى ــ حيث تكون الأصول مثل البيانات والبرمجيات والملكية الفكرية ذات أهمية أكبر للنجاح الاقتصادى، وتعد شركات مثل آبل وجوجل وفايسبوك مثالا على ذلك.. الفشل فى وضع سياسات المنافسة أدى إلى تعزيز هذه القوى المدفوعة بالتكنولوجيا ما زاد تركيز السوق فى يدها.
العيوب فى سياسات براءة الاختراع عاقت ظهور ابتكارات جديدة أو الانتشار الواسع للمعرفة بخصوص التقنيات الجديدة. فسياسات براءة الاختراع، التى تم تصميمها منذ عدة عقود، كانت بطيئة فى التكيف مع ديناميكيات المعرفة فى العصر الرقمى. فى الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تركزت براءات الاختراع فى أيدى الشركات الضخمة إلى جانب الاستخدام الاستراتيجى لبراءة الاختراع من قبل المتحكمين فى الأسواق للحد من انتشار المعرفة.
فى حين شهدت أسواق المنتجات ارتفاعًا فى عدم المساواة بين الشركات، شهدت أسواق العمل ارتفاعًا فى عدم المساواة بين العمال. أدت الأتمتة والتقدم الرقمى إلى التركيز على طلب العمالة ذات المهارات العالية. شهدت أسواق العمل استقطابًا متزايدًا، مع انخفاض الطلب على العمالة ذات المهارات المتوسطة وارتفاع الطلب على العمالة ذات المهارات المرتفعة مثل المهنيين الفنيين والمديرين. وهذا لا يعنى أن العمالة ذات المهارة العالية سلمت، فمع تقدم الذكاء الاصطناعى، سيتم التخلى عن بعض المهارات المرتفعة.. ولكنها من الأرجح أن تكون على مستوى المهام وليست الوظيفة بأكملها كما الحال مع المهارات المتوسطة أو المنخفضة.
التعليم والتدريب يخسران السباق مع التكنولوجيا.. فمع تحول الطلب على المهارات، تأخر تعديل جانب العرض وتزويد العمال بالمهارات التى تتماشى مع التقنيات الجديدة وتدعم انتقالهم إلى مهام ووظائف جديدة. فعلى سبيل المثال، دولة متقدمة مثل الولايات المتحدة لا يحصل فيها ثلثا العمال على شهادة جامعية.. أدى النقص فى المهارات المعرفية والتقنية والإدارية الجديدة والعالية التى يتطلبها الاقتصاد الرقمي إلى إعاقة انتشار التكنولوجيا عبر الشركات ومن ثم تحقيق مكاسب إنتاجية أوسع.
وأدى أيضا إلى اتساع الفروق فى الأجور مع زيادة الطلب على العمال المهرة وتقلص فرص العمل للعمال ذات المهارات المتوسطة أو المنخفضة. ولا يجب إغفال التفاوت فى الأجور بين الشركات مع اتساع فجوات الربح بين الشركات.
لقد حصدت الشركات الأفضل أداءً أرباحا مهولة، تقاسمت جزءًا منها مع عمالها (لنرى توزيعا غير عادل للأجور أيضا داخل هذه الشركات)، وازداد عدم المساواة فى الأجور بين الشركات بشكل كبير فى الصناعات التى تستثمر بكثافة فى التقنيات الرقمية.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










