مأمون الشناوي يكتب.. السُعار!!

بلغ التعامل المادي بين الناس وبعضهم حد السُعار !!.
لاشئ لله ، ولا لخاطر الأخوة ، ولا لعشم الصداقة ، ولا وشيجة الدم ، وصلة الرحم ، وإنما باتت كل حركة وكل سكنة وكل استدلال وكل استفسار وكل سؤال – ولو إلي أين الطريق – بمقابل مادي مباشر ومفضوح !!.
كنت أدردش عبر الهاتف مع محامٍ قريب ، دردشة اختلط فيها القانون بالأحوال الشخصية ، ثم فجأة قال لي : ( علي فكرة الدردشة دي بفلوس ) ، حسبته لأول وهلة يمزح ، لكنه كان جاداً علي مايبدو ؛ فحين استفسرت مُتعجباً ، قال بأنه قد خصص لي وقتاً ، وهذا الوقت ملك زبائنه وموكليه ، وبما أنه يتقاضي مقابلاً من زبائنه وأتعاباً ، فينبغي أن يحاسبني علي ثمن وقت مهاتفتي له ، ولم أتمالك نفسي من مهاجمته ، فقلت له : ( والله يا أخي لو أنني أهاتف السنهوري باشا ، أو فكري باشا أباظة ، أو نبيل الهلالي ما قال لي مثل ماقلته أنت ) ، ثم أردت أن أعطيه مثالاً واقعياً عشته ، فأضفت : ( إذن بارك الله في الدكتور جابر نصار ، الذي رفض ألا يتركني لحظة واحدة عند استدعائي من قِبل النائب العام ، وظل ملازماً لي حتي انتهي الأمر بسلام ، رافضاً أن يتقاضي جنيهاً واحداً ، وهو مَن هو في عالم المحاماة والقانون ) !!
وتساءلت عن السبب ، في تلك الحال التي وصلنا إليها من السُعار المادي ، هل هي متطلبات الحياة وضغوطاتها والتزاماتها ، أم الجشع والطمع والتطلعات نحو الثراء السريع ، أم النمط الاستهلاكي السفيه البشع الذي فُرض علينا !!.
أم أن الحكومة هي السبب ؛ فلم تعد تقدم شيئاً مجانياً قط ، بل بالغت في تسعير وتثمين كل خدمة تقدمها ، حتي السير علي الطرقات ، وستر الأموات ، وتنوعت الرسوم والضرائب حداً كوميدياً ، فهناك ضرائب اسمها يثير السخرية ، وكأنهم يفرضون الضريبة ثم يبحثون لها عن مُسمي يناسبها !!.
وكان طبيعياً أن يخلف هذا السُعار والجشع المادي أخلاقاً متدنية منحطة ، فلا مشاعر ولا عواطف ، ولا مجاملات ولا صلة رحم ، ولا شهامة ولا مروءة ، ولا إغاثة لملهوف ، وصرنا نعيش فوق صفيح ساخن ، والنار تكوي الجميع ، وتلهب أقدامهم !!.

شاهد أيضاً

جمال المتولى جمعة يكتب .. مياه النيل بين الموقف الأمريكي المتغير والشعب الأثيوبي

مياه النيل بالنسبة لمصر ليست قضية سياسية عابرة ولا ملفا يمكن تأجيله أو التعامل معه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *