تمكن الناس العاديون، خاصة الشباب بالغرب، من رؤية حقيقة ما يجري في غزة عبر شبكات التواصل الاجتماعي. مما أدى لكسر السردية الصهيونية التي دأب الإعلام العالمي التقليدي على الترويج لها لعقود عديدة.. وشهدنا تغيرا واضحا في الموقف الدولي تجاه القضية الفلسطينية،
ففي الولايات المتحدة – أكبر داعم للكيان- فلم يكن أحد يتصور أن نجد مرشحا أمريكيا لا يكتفي فقط بتأييد القضية الفلسطينية وإنما يفخر بعدم قبول تبرعات من لجنة الشؤون الأمريكية الإسرائيلية “إيباك”. كثيرون فعلوا ذلك ومنهم النواب: ألكساندريا كورتيز (نيويورك) وبيتي ماكولو(مينيسوتا) وأندريه كارسون(إنديانا) وارك بوكان)ويسكونسن) وكوري بو )ميزوري( ..حدث تغير في مواقف بعض قيادات هذا اليمين المسيحي الأمريكي المتطرّف الداعم سياسات الكيان المسمى “الصهيونية المسيحية” مثل مارجوري جرين عضو الكونغرس، وتاكر كارلسون المذيع التلفزيوني الشهير..فكيف نستثمر هذا التعاطف العابر ونحوله إلى ضغط سياسي مستمر ليس فقط لنصرة القضية الفلسطينية العادلة وإنما أيضا لإعادة عرض السردية العربية والإسلامية لقضايانا وبخاصة تلك التي طالها التشويه مثل صورة العرب و”الإسلاموفوبيا”؟
العدوان الإسرائيلي الغاشم على غزة لم يكن مجرد صراع عسكري فقط، وإنما كان أيضًا صراعا على الروايات. الإعلام البديل أظهر أخطاء وتهافت السردية الصهيونية القديمة. فقد تمكن الناس العاديون، خاصة الشباب بالغرب، من رؤية حقيقة ما يجري في غزة عبر شبكات التواصل الاجتماعي. مما أدى لكسر السردية الصهيونية التي دأب الإعلام العالمي التقليدي على الترويج لها لعقود عديدة. وبالفعل بدأت ضغوط الشعوب والرأي العام في الغرب والعالم أجمع تؤثر على مواقف الحكومات، وشهدنا تغيرا واضحا في الموقف الدولي تجاه القضية الفلسطينية، فكيف نستثمر هذا التعاطف العابر ونحوله إلى ضغط سياسي مستمر ليس فقط لنصرة القضية الفلسطينية العادلة وإنما أيضا لإعادة عرض السردية العربية والإسلامية لقضايانا وبخاصة تلك التي طالها التشويه مثل صورة العرب و”الإسلاموفوبيا”.
نشير بداية إلى التحول العميق في مواقف بعض التيارات السياسية والفكرية في الغرب مما جعلها تخرج عن سياق السردية الصهيونية، ففي الولايات المتحدة – أكبر داعم للكيان- لا يتمثل هذا التحول فقط في فوز منداني المناصر للقضية الفلسطينية، بمنصب عمدة نيويورك معقل الثقل اليهودي السياسي والاقتصادي الكبير، وإنما ظهر أيضا بين النخب السياسية الأمريكية، فلم يكن أحد يتصور أن نجد مرشحا أمريكيا لا يكتفي فقط بتأييد القضية الفلسطينية وإنما يفخر بعدم قبول تبرعات من لجنة الشؤون الأمريكية الإسرائيلية “إيباك” التي تمثل أقوى لوبي للدفاع عن الدعم الأمريكي لإسرائيل. كثيرون تجرأوا على هذا الفعل ولم يقتصر الأمر على أعضاء الكونجرس من أصول عربية وإسلامية (مثل رشيدة طليب وإلهان عمر) وإنما عبر عن هذه الموقف الجريء العديد من الأعضاء الآخرين من ولايات ودوائر انتخابية مختلفة ومنهم النواب: ألكساندريا كورتيز (نيويورك) وبيتي ماكولو(مينيسوتا) وأندريه كارسون(إنديانا) وارك بوكان)ويسكونسن) وكوري بو )ميزوري( وجون كونتني )ميشيغان) جيمس ماغورن (ماساتشوستس).
بل أصبحت أعداد كبيرة من الأعضاء الديمقراطيين في الكونغرس تجاهر كل بضعة أيام بنقد الجرائم الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلّة. وفي داخل الحزب الجمهوري حدث تحول أيضا عن دعم “إسرائيل”، التي راهنت طوال العقود الماضية على اليمين المسيحي الأمريكي المتطرّف (بخاصة التيار الإنجيلي) لدعم سياسات الكيان لأسباب عقائدية تستند على قراءة خاطئة للدين المسيحي، فيما يسمى بـ”الصهيونية المسيحية” وهو تفسير لاهوتي نشأ في القرن التاسع عشر ويعرف باسم “اللاهوت الاستعماري”. ولكن اليوم حدث تغير في مواقف بعض قيادات هذا اليمين المتطرّف مثل مارجوري جرين عضو الكونغرس، وتاكر كارلسون المذيع التلفزيوني الشهير وستيف بانون كبير الاستراتيجيين للرئيس الأميركي ترامب في ولايته الأولى، الذين أصبحوا يقفون ضدّ العلاقة الأميركية الإسرائيلية، ويدعون إلى تفضيل المصالح الأميركية على المصلحة الإسرائيلية.
هذا التغير في المواقف -الذي حدث أيضا في بلاد عديدة – ليس مجرد رد فعل عاطفي عابر، بل يمثل نقطة تحول تاريخية قد تؤدي إلى تغييرات جيوسياسية حقيقية، إذا تم اغتنام هذه الفرصة بشكل صحيح لتحويل هذا التعاطف إلى ضغط شعبي مؤثر على الحكومات، لدعم القضية الفلسطينية، والقضايا العربية والإسلامية العادلة.
إن تحقيق هذا الهدف يستلزم بناء هيكل سياسي وقانوني وإعلامي مستدام ينطلق من هذا التغير في المواقف السياسية ويعتمد على خطاب عربي جديد موجه للعالم. وهذا يتطلب العمل على مسارات عديدة: أولاً، يجب أن ألا يقتصر الخطاب العربي والإسلامي على سرد المعاناة الإنسانية في فلسطين وإنما يضيف إليها المطالبة بتنفيذ القوانين الدولية الخاصة بجرائم الحرب، ومقارنة ممارسات الاحتلال الإسرائيلي بسياسات الفصل العنصري. هذا النوع من الخطاب يثير تناقضاً واضحاً لدى الجمهور الغربي، بين القيم الليبرالية التي يؤمن بها ومواقف حكوماته الداعمة لإسرائيل ومن ثم المتعارضة مع تلك القيم.
ثانياً تعظيم الاستفادة من المحتوى الذي يقدمه الصحفيون والمواطنون العرب والفلسطينيون حول جرائم الإبادة الجماعية بغزة باعتباره أدلة رقمية مهمة. من الضروري أن تعمل المؤسسات العربية والدولية المعنية على توثيق هذه الأدلة بشكل قضائي محكم. وهذا يتطلب حفظ هذه الأدلة الرقمية في “سيديهات” وطباعة النصوص ورقيا لحمايتها من الحملات الرقمية المتوقعة التي تستهدف حذفها من المواقع الالكترونية. وترجمة هذه الأدلة إلى اللغات الحية، بحيث تصبح وثائق تاريخية وقانونية جاهزة للاستخدام في المحاكم الدولية. (وللحديث بقية)










