الأربعاء , 21 أكتوبر 2026

مأمون الشناوي يكتب.. وصارت الشُجيرات حطبا !!

صارت علاقات الناس مثل الحطب اليابس ؛ جافة ، قاسية ، حادة ، مُدببة كالشوك ، ماضية مثل نصل السكين ، خالية من العذوبة ، والنضارة ، والبهجة ، والحياة ، تساقطت أوراقها ، وذبلت ثمارها ، وماتت زهورها ، وتبخرت مظاهر الود فيها !!.

لقد بات خبراً عادياً أن تسمع عن شاب وحيد ضرب أمه التى ترملت عليه منذ شبابها ، وطردها إلى الشارع لكىّ يستولى على شقتها التى أسستها مع أبيه الراحل ، بعد كفاح بطولى مرير ، وبعد جهد جهيد ، وشقوة السنين !!.

وبات خبراً عادياً أن ترى المحاكم تعج بالقضايا التى رفعها الأخوة الأشقاء على بعضهم ، من جراء ميراث تافه ، قد يكون عدة آلاف من الجنيهات ، أو عدة أمتار من الأرض التى هى أضيق من القبر الذى سيُقبرون فيه ، أو عقار متهالك ، أو أرض بور ، أو متاع حقير !!.

وترى مَحاكم الأسرة ملأى بالأزواج والزوجات ، يلعب بهم شيطان شرورهم ، ومحامو الوقيعة والفساد والصيد فى الماء العكر ، ومحترفو النشل والابتزاز ، ومع بكاء الأطفال وعويلهم ، تُعلَن على الملأ أدق تفاصيل العلاقات الزوجية ، وتُفضَح العلاقات الحميمية ، ويدخل القُضاة إلى حجرة نوم الزوجين المتصارعين ، اللذين يُمعنان فى تبادل الاتهامات بالخيانة والشذوذ بلا وجل ولا خجل ، وترى الزوجين اللذين كانا عاشقين بالأمس القريب ، إذا هما ألد الأعداء يكاد يفتك كلاهما بالآخر ، والأثاث الذى زُف يوماً بالتهانى والزغاريد ، إذا به محمولاً على سيارة أمام المحكمة كالميت الذى يُشيع إلى مثواه الأخير ، وسط الدموع والحسرة ، والندم الذى لاينفع ، وعضّ الأصابع ، وشماتة الشامتين !!.

لقد كانت علاقات الناس فى جيلنا ، ومَن سبقونا ، مثل شُجيّرات القُطن ، مُزينة بالأوراق الخضراء الكثيفة ، ولوزات القطن الأبيض الشاهق الناصع ، المتهدلة ، والمتدلهة فى دلال ، تلمع فى ضوء الشمس ، وكأنها تبتسم ، مثل ثغر عذراء حسناء فاتنة الجمال ، وترى شُجيّرات القطن متداخلة خلال بعضها ، متشابكة ، لاتستطيع المرور بينها فى سهولة ويُسر ، فكل واحدة منها تحتضن الأخرى فى سعادة وانتشاء ، فترسم لوحة من لوحات دافنشى أو بيكاسو أو مختار ، تعبر عن تلاحم أبدى ، وعشق سرمدى ، لايستطيع أحد أن يوقع بينها العداوة أبدا ، كأنه ميثاق غليظ بين عاشقين ، أقسما ألا ينقضانه حتى الموت !!.

كانت الناس بالأمس أشجاراً مثمرة ، بالحب والرحمة والخير والجمال ، صارت اليوم حطباً يابساً جافاً ، يختزن الغل والحقد والضغينة والأنانية !!.

وما أسهل أن تشتعل النيران فى الحطب اليابس !!.

شاهد أيضاً

سامى حربى يكتب.. كلمتين وبس

مابين اليوم والامس كلمة تطلق تسمى حرب اليمن مع الفارق الكبير فى المعنى والمضمون والتدخل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *