صارت علاقات الناس مثل الحطب اليابس ؛ جافة ، قاسية ، حادة ، مُدببة كالشوك ، ماضية مثل نصل السكين ، خالية من العذوبة ، والنضارة ، والبهجة ، والحياة ، تساقطت أوراقها ، وذبلت ثمارها ، وماتت زهورها ، وتبخرت مظاهر الود فيها !!.
لقد بات خبراً عادياً أن تسمع عن شاب وحيد ضرب أمه التى ترملت عليه منذ شبابها ، وطردها إلى الشارع لكىّ يستولى على شقتها التى أسستها مع أبيه الراحل ، بعد كفاح بطولى مرير ، وبعد جهد جهيد ، وشقوة السنين !!.
وبات خبراً عادياً أن ترى المحاكم تعج بالقضايا التى رفعها الأخوة الأشقاء على بعضهم ، من جراء ميراث تافه ، قد يكون عدة آلاف من الجنيهات ، أو عدة أمتار من الأرض التى هى أضيق من القبر الذى سيُقبرون فيه ، أو عقار متهالك ، أو أرض بور ، أو متاع حقير !!.
وترى مَحاكم الأسرة ملأى بالأزواج والزوجات ، يلعب بهم شيطان شرورهم ، ومحامو الوقيعة والفساد والصيد فى الماء العكر ، ومحترفو النشل والابتزاز ، ومع بكاء الأطفال وعويلهم ، تُعلَن على الملأ أدق تفاصيل العلاقات الزوجية ، وتُفضَح العلاقات الحميمية ، ويدخل القُضاة إلى حجرة نوم الزوجين المتصارعين ، اللذين يُمعنان فى تبادل الاتهامات بالخيانة والشذوذ بلا وجل ولا خجل ، وترى الزوجين اللذين كانا عاشقين بالأمس القريب ، إذا هما ألد الأعداء يكاد يفتك كلاهما بالآخر ، والأثاث الذى زُف يوماً بالتهانى والزغاريد ، إذا به محمولاً على سيارة أمام المحكمة كالميت الذى يُشيع إلى مثواه الأخير ، وسط الدموع والحسرة ، والندم الذى لاينفع ، وعضّ الأصابع ، وشماتة الشامتين !!.
لقد كانت علاقات الناس فى جيلنا ، ومَن سبقونا ، مثل شُجيّرات القُطن ، مُزينة بالأوراق الخضراء الكثيفة ، ولوزات القطن الأبيض الشاهق الناصع ، المتهدلة ، والمتدلهة فى دلال ، تلمع فى ضوء الشمس ، وكأنها تبتسم ، مثل ثغر عذراء حسناء فاتنة الجمال ، وترى شُجيّرات القطن متداخلة خلال بعضها ، متشابكة ، لاتستطيع المرور بينها فى سهولة ويُسر ، فكل واحدة منها تحتضن الأخرى فى سعادة وانتشاء ، فترسم لوحة من لوحات دافنشى أو بيكاسو أو مختار ، تعبر عن تلاحم أبدى ، وعشق سرمدى ، لايستطيع أحد أن يوقع بينها العداوة أبدا ، كأنه ميثاق غليظ بين عاشقين ، أقسما ألا ينقضانه حتى الموت !!.
كانت الناس بالأمس أشجاراً مثمرة ، بالحب والرحمة والخير والجمال ، صارت اليوم حطباً يابساً جافاً ، يختزن الغل والحقد والضغينة والأنانية !!.
وما أسهل أن تشتعل النيران فى الحطب اليابس !!.










