أما بعد..
المتكئون على هزائمهم..
السائرون إلى الهاوية.. وإن استبدت بهم الظنون أنهم إلى غيرها مضوا..
الذين يتأبطون الحزن، وفي القلب يدسونه مخافة السؤال الذي لا جواب له بحال.. مهما تزاحمت على شفاههم الأجوبة..
والذين يحلقون في الفراغ لا بلاهة، وإنما هربا..
وأولئك الذين يصطحبون الصمت أينما ذهبوا..
والذين يبكون على غير ملة الدموع التي ألِفَها من يربِّتون على الأكتاف إشفاقا.. فيذيبهم البكاء ولا تراهم الأعين..
كيف حال قلوبكم أيها السادة؟!..
لا شك أنها بخير كالعادة..
قريبا سيرحل..
ذلك الذي يقسم كثيرا أنه لن يفعل..
وسيكون النزوح أقرب فكرة يفر إليها.. حتى لا يكسر النسيان هشاشة الذكريات..
عظيم..
ذلك الذي يخبرك رحيله.. أن الهرب قد يمحو الخطايا..
وآثم جدا..
ذلك الذي يغسل يديه من دنس الخذلان..
ثم ينسى أن قلبه غارق فيه حتى المنتهى..
في هتاف ما..
عودوا أسماءكم ألَّا تسير في زحام النداءات..
لا تفسدوا عمق الأنين بملح المواساة..
فكثيرا ما يفسد الملح حماقة الأسى..
ولا تشوهوا استغاثة الروح بعناق باهت..
دعوها تمضي إلى حيث يأمرها السكوت..
يوما ما.. ستصل الرسائل..
وإن خلعت الحروف قبل أن ترتدي الألم..
لا شيء هنا يُجَمِّل وجه الفراق القبيح..
فلماذا تعلمون التناهيد خبث الاختباء؟!..
نعم.. لا نملك رفاهية العتاب..
لكننا نعرف جيدا.. كيف تصير سوطا..
غصة أخيرة.. ضلت طريق العودة..
الذين وعدونا بالرفقة..
أن يمنحونا من أكتافهم جدرانا لا تمل الاتكاء مهما أرهقها الثقل..
على رسلكم أيها السادة..
ماذا تعني (أنا هنا لأجلك)..
ألا أن تكون ظلا أطول من حر الأيام..
أكبر من العمر، وأبقى من الوعود؟!..
أيها السادة..
ما الرفقة إلا في الملمات..
فارحلوا يرحمكم الله..
وما الأقسى من أن ينتهي بك الطريق يوما..
إلى الفراغ والدهشة؟!..
تعال..
نشطب تاريخ البياض من كل العهود التي كانت..
فما أسوأ أن تنتظر..
ثم لا يصلك الفرح..
لا..
لم يأخذه التيه إلى أرض أخرى..
وإنما..
أغروه؛ فغير الوجهة..
لا تلم الشعور حينما يذوي..
فقط..
تعلم كيف تقاطع الذين أجبروه أن يفعل..
مغبون..
قلب ينجب كل هذا الدفء..
ثم يموت هكذا..
وحيدا..
عاريا..
وغريبا..
عارٌ على الذن نصبوا له كل هذه الكمائن..
ولم يعلموه ما الذي يقتضيه السقوط..
عارٌ على الذين عوَّدوه الظمأ..
ثم بخلوا بالسراب والقيعة..
عارٌ على الذين أقاموا له كل هذه الوداعات..
ولم يخبروه أن الجنائز أُجلتْ..
انتهى..
النص تحت مقصلة النقد..










