لماذا تجند إسرائيل النساء؟ كشف الجذور التوراتية لاستخدام “مفاتن المرأة” في الصراع إنها معادلة قديمة قدم الكتاب المقدس: عندما لا تستطيع السيوف هزيمة العدو، تُرسل المرأة. في السرد التوراتي، نجد النموذج الأولي للأمن القومي الذي يعتمد على الإغراء والدهاء بدلاً من القوة الغاشمة. ياعيل، زوجة حابر القيني، لم تهزم القائد الكنعاني سيسرا بالسلاح، بل دخلته إلى خيمتها، وقدمت له لبناً لينام بين فخذيها، ثم حين استغرق في النوم، دقت وتداً في صدغه . هذه لم تكن مجرد جريمة قتل، بل كانت “عملية اغتيال” كلاسيكية، استخدمت فيها جسدها كطعم وأداة في آن واحد، لتنقذ إسرائيل من عدوها. وبعدها بقرون، لعبت الملكة أستير دوراً مشابهاً في بلاط الملك أحشويروش، حيث لم تستخدم سيفاً، بل استخدمت عشاءً وليلة في الفراش لتكشف مؤامرة هامان وتنقذ شعبها من الإبادة الجماعية .
ثمة نموذج ثالث، أكثر سلبية، لكنه يحمل نفس المبدأ: امرأة فوطيفار. لم تكن هذه المرأة جاسوسة أو منقذة، لكنها استخدمت “سلاحها” عينه للانتقام من يوسف الصديق حين رفض الانصياع لها، فاتهمته كذباً وسُجن بسببها . هذه النماذج الثلاثة (ياعيل، أستير، وامرأة فوطيفار) ترسم صورة متكاملة للتصور التوراتي: المرأة تحمل سلاحاً لا يملكه الرجال، وهو “الفتنة” والإغراء، ويمكن توظيفه إما لإنقاذ الأمة أو لتدمير الأبرياء.
من هذه الجذور التوراتية، بنى الفكر الحاخامي الإسرائيلي شرعية استخدام “عسل النحل” في المخابرات. في دراسة هالاخية نادرة صادرة عن معهد تسوميت، حسم الحاخام آري شفات الجدل: إقامة علاقة جنسية مع عدو من أجل الأمن القومي ليست فقط مباحة، بل هي “وصية” و”ميتزفه” عظيمة . وبرر الحاخام ذلك بأن أستير نامت مع الملك الوثني لإنقاذ شعبها، وأن “النوم مع العدو هو سلاح فعال”. وفي تطبيق حديث، نجد أن الموساد جند فتاة أمريكية تدعى “شيريل بنتوف” لإغواء العالم النووي موردخاي فعنونو في لندن، ثم اصطحابه إلى روما حيث اختطفوه وأحضروه إلى إسرائيل لمحاكمته . هذه الحوادث تثبت أن التجنيد الحالي للنساء الإسرائيليات ليس وليد الحرب، بل هو امتداد لاستراتيجية عمرها آلاف السنين.
من العيون الفاتنة إلى البنادق في الميدان.. قصة تحول دور المرأة في الجيش الإسرائيلي
في خريف عام 1986، كانت شوارع ليستر سكوير في لندن مليئة بالسياح. بينهم شابة أمريكية شقراء جذابة تدعى “سيندي”، بدأت محادثة ودية مع رجل يبدو غريباً عن المكان، اسمه موردخاي فعنونو. كانت بداية قصة حب عابرة، أو هكذا ظن فعنونو. الحقيقة أن “سيندي” كانت عميلة للموساد، اسمها الحقيقي شيريل بنتوف، ومهمتها كانت إنقاذ إسرائيل من فضيحة نووية. بعد أيام من المواعدة، سافرت “سيندي” مع فعنونو إلى روما لقضاء عطلة نهاية أسبوع رومانسية، وهناك اختفى فعنونو، ليظهر بعد ساعات وهو مقيد في يخت إسرائيلي في طريقه إلى المحاكمة بتهمة الخيانة العظمى . هذه ليست قصة فيلم إثارة، بل هي نموذج مصغر عن سبب تجنيد إسرائيل للنساء: حرب استخباراتية لا تضع حدوداً للأخلاق عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي.
ولكن القصة لا تقف عند “عسل النحل” والتجسس. اليوم، إسرائيل تعاني من عجز حاد في أعداد الجنود، حيث يقدر النقص بنحو 10 إلى 12 ألف جندي . هذا العجز، الناتج عن إعفاء اليهود الحريديم (المتطرفين دينياً) من الخدمة، والحرب المستمرة على سبع جبهات، دفع الجيش الإسرائيلي إلى فتح أبوابه أمام فئات لم تكن تخطر على البال: إنشاء أول وحدة قتالية للفتيات المتدينات، واستقطاب يهود أوروبا، وتحديداً من فرنسا، للتجنيد في صفوفه.
هذه القصة ليست عن السياسة، بل عن تحول جذري في مفهوم الخدمة العسكرية، وعن كيف تحولت الحرب في غزة ولبنان إلى فرصة لإعادة تعريف دور المرأة في المجتمع الإسرائيلي، وعن السبب الذي يجعل فتاة فرنسية تترك عائلتها وحياتها المريحة لترتدي الزي العساري الإسرائيلي.
عسل النحل: سلاح الإغراء في عمليات الموساد السرية
في لغة أجهزة المخابرات، هناك مصطلح يسمى “عسل النحل”. هو استخدام الجنس أو الإغراء العاطفي كسلاح لابتزاز أو استدراج الهدف. إسرائيل، منذ تأسيسها، كانت واحدة من أكثر الدول خبرة في هذا المجال، وسبب تجنيدها للنساء هنا واضح: المرأة، في نظر المخابرات، تمتلك “مزايا” لا يمتلكها الرجل. كما وصفت قائدة عمليات سابقة في الموساد تدعى “يعيل”: “الرجل الذي يحاول الوصول إلى منطقة محظورة فرصته في النجاح أقل من امرأة مبتسمة” .
لكن استخدام النساء بهذه الطريقة يثير إشكاليات دينية وأخلاقية في دولة يهودية. الحاخام آري شفات أصدر فتوى عام 2010 قضت بأن ممارسة الجنس غير المشروع من أجل الأمن القومي “حلال” للوكالات الاستخباراتية، ووصفها بأنها “بركة روحية”، لكن بشرط ألا يكون هناك حل آخر، وبعد الحصول على إذن صريح من سلطة دينية كبرى . بعض المصادر تشير إلى أن هذا المبدأ تم تطبيقه بالفعل في عمليات متعددة، أبرزها إغراء الطيار العراقي منير رضا للفرار بطائرته الميج إلى إسرائيل عام 1966.
قصة فعنونو، الذي عمل في مفاعل ديمونا النووي، هي المثال الأكثر دراماتيكية. بعد أن كشف أسرار البرنامج النووي الإسرائيلي للصحافة العالمية، أرسل الموساد شيريل بنتوف، وهي أمريكية المولد، لإيقافه. استخدمت مفاتنها لإقامة علاقة عاطفية معه، وأقنعته بالسفر معها إلى روما، حيث كان ينتظره رجال الموساد . هنا، لم تطلق الرصاص، بل استخدمت “سلاحها الأنثوي” لإنجاز المهمة.
من الكنيس إلى الميدان: لماذا تحتاج إسرائيل الآن إلى مقاتلات متدينات
إذا كان الموساد يستخدم النساء في الظل، فإن الجيش الإسرائيلي النظامي IDF اضطر اليوم لإخراجهن إلى دائرة النور، بل وتجنيدهن في وحدات قتالية لأول مرة في التاريخ. السبب الرئيسي هو “النقص الهائل في الأعداد”.
بعد عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، والحرب التي تلت ذلك على غزة ولبنان، أصبح الجيش الإسرائيلي منهكاً. القوات العاملة حالياً موزعة على سبع جبهات، والاحتياطيون يعانون من إرهاق نفسي وجسدي . هنا، وجد الجيش حلاً في فئة كانت ترفض الخدمة العسكرية لأسباب دينية لعقود: الفتيات “القوميات المتدينات” أو ما يعرف بـ”الصهاينة المتدينين”.
في نوفمبر 2024، تم إنشاء أول وحدة قتالية نسائية دينية بالكامل. الوحدة مخصصة لاستخبارات القتال، وتتكون من 80 جندية، وسيقضين 8 أشهر في التدريب، ثم يخدمن في كتيبة نسائية بقيادة نسائية . الجديد أن هذه الوحدة لا تضم فقط مقاتلات، بل مصلحة دينية ترافقها (حلّة نعور) لتقديم الاستشارات الروحية والحفاظ على التقاليد اليهودية في الميدان .
تقليدياً، كان الحاخامات يثبطون عزيمة الفتيات المتدينات عن التطوع للقتال خوفاً من الاختلاط المحرم بالرجال. لكن الحرب غيرت المعادلة. أدفا بوخولتز، إحدى المجندات، تقول: “سمعنا دائماً أن الجيش بحاجة ماسة إلى جنود قتاليين، وشعرت أن خدمتي هناك ستكون ذات معنى” . شيرا وينتر، مجندة أخرى، تؤكد أن الحلم كان موجوداً لديها، لكن الحرب هي التي فتحت الباب لتحقيقه .
هذا التطور يعكس تحولاً اجتماعياً عميقاً في إسرائيل. فبينما كانت الغالبية العظمى من المتدينات تفضلن الخدمة المدنية (كالتدريس في المدارس أو العمل في المستشفيات)، فإن نسبة الراغبات في الخدمة العسكرية ارتفعت إلى 45%، ووصلت نسبة الراغبات في الالتحاق بوحدات قتالية إلى 10% . الجيش استجاب بإنشاء بيئة منفصلة تماماً عن الرجال لتلبية متطلباتهن الدينية.
السفارة في باريس: لماذا تستهدف إسرائيل الفتيات الفرنسيات تحديداً؟
إذا كان الجيش الإسرائيلي يبحث عن جنود، فإنه وجد كنزاً في أوروبا، وتحديداً في فرنسا. في أكتوبر 2025، وصل 90 شاباً وشابة من أوروبا إلى إسرائيل في رحلة الهجرة والعودة، معظمهم من فرنسا. استقبلوا بحفاوة في مطار بن جوريون، ثم توجهوا إلى أكاديمية عسكرية في أشدود لتلقي تدريبات مكثفة على اللغة العبرية والتاريخ اليهودي واللياقة البدنية .
هؤلاء الشباب ليسوا مجرد متطوعين عاديين، بل هم جزء من خطة إسرائيلية لسد العجز العددي الذي يعاني منه الجيش. يشار إلى أن نسبة اليهود الحريديم الذين يرفضون الخدمة تصل إلى 13% من السكان، مما خلق فجوة أمنية خطيرة . لذلك، بدأ الجيش الإسرائيلي في استهداف الطائفة اليهودية في الولايات المتحدة وفرنسا على وجه الخصوص، بهدف تجنيد حوالي 700 جندي جديد سنوياً .
ما الذي يجذب فتاة فرنسية لترك باريس والانتقال إلى أخطر منطقة في العالم لترتدي الزي العسكري؟ الإجابة قد تكون في “الروح القومية” المتأججة بعد السابع من أكتوبر، أو في البرامج التي تقدمها المنظمات الصهيونية لضمان الإدماج السريع في المجتمع الإسرائيلي. أحد المجندين، يشاي بارتوخ، صرح قائلاً: “تركت كل شيء في مارسيليا، عائلتي وأصدقائي وحياتي المريحة، لأخدم في الجيش. عندما هبطت ورأيت 90 آخرين مثلي، أدركت قوة شعبنا” .
هذا الاستقطاب من فرنسا ليس جديداً، لكنه ازداد بشكل كبير بعد الحرب، وأصبح يمثل رافداً بشرياً استراتيجياً لإسرائيل.
الأبعاد الخفية: لماذا كل هذا الجهد الآن؟
باختصار، الأسباب التي تجعل إسرائيل تجند النساء (وتستقدم فتيات من فرنسا) يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط:
أولاً، العجز العددي: الجيش الإسرائيلي مثقل بالحروب المستمرة. إعفاء اليهود الحريديم من الخدمة كلف الدولة ثمناً باهظاً. لذلك، أصبح تجنيد النساء (اللواتي كن في السابق في وظائف إدارية أو مساندة) ضرورة ملحة لملء الشواغر في الوحدات القتالية .
ثانياً، الفعالية الاستخباراتية: المرأة، كما أثبتت عمليات الموساد، يمكنها الوصول إلى أماكن لا يستطيع الرجل الوصول إليها. استخدام “عسل النحل” ظل تكتيكاً فعالاً على مر العقود، من إغراء الطيارين إلى تجنيد عملاء جدد. الفتاة “العذراء” كما يصفها البعض تحمل براءة زائفة تنفع في خداع الخصوم .
ثالثاً، التطوع الديني: بعد السابع من أكتوبر، شعرت الفتيات المتدينات أن حمايتهن للوطن أهم من الحفاظ على التقاليد التي تمنعهن من الخدمة. هذا التحول في الفكر الديني أتاح للجيش الاستفادة من كوادر بشرية جديدة، مؤمنة بقضيتها، ومستعدة للموت من أجلها.
هذه ليست مجرد أرقام عسكرية، بل هي قصة تحول اجتماعي وثقافي وأخلاقي في مجتمع يضع الأمن القومي فوق كل اعتبار. إسرائيل، التي تواجه تحديات وجودية، تستخدم كل أوراقها، حتى أوراقها الأكثر حساسية: النساء. بين جاذبية الجاسوسة في فندق روماني، وصلابة الجندية في دبابة على حدود غزة، أثبتت المرأة الإسرائيلية أنها لا غنى عنها في معادلة البقاء.










