يتخوف بعض الناس ـ دون مبررـ من ” الثقافة ” مع أنها ليست ” دراكيولا ” ولا”فرانكشتين “، وإن كانت تشي غالبا بأن ثمة سلاحا ماضيا سيُشهر ، وأن فكرا سيُثار ويُثير ، وأن جملا ستنطلق هنا وهناك ؛ فتصيب من تصيب وتخطئ من تخطئ.
وتذكر الأدبيات السياسية المعاصرة جملة ” غوبلز ” وزير الدعاية النازي الشهيرة: ” كلما سمعت كلمة ثقافة تحسست مسدسي” .
هذا القول الذي يبدو معاديا للثقافة والمثقفين ، إذ يؤكد احتراسا واجبا منهم يحمل على وجهه الآخر ، تأكيدا لدور الثقافة وتأثيرها في مواجهة الهتلريات ودكتاتوريات العالم الأول أو الثالث، ولافرق ، والمستأثرين وأصحاب ذائقة النفي والإقصاء لكل مخالف في الرأي ؛ ظنا منهم أن الإقصاء كفيل بالقضاء على الفكرة ، مع أن الزمن غير قادر ـ رغم جبروته اللامحدود ـ على محوها ، مادامت تحمل بين طياتها هما إنسانيا ، وحلما بالانعتاق والانطلاق إلى آفاق أرحب من الحرية والعطاء الإنساني بعيدا عن أشكال الاستعباد، وما تمارسه دول النفط العربية لوحة باذخة الألوان لهذه الأشكال ، وما تقدمه الرأسمالية المتوحشة في صورتها العولمية الأمريكية خاصة غير بعيد عن هذه اللوحة .
الأوجب تبنيا، والأجدر بالاطمئنان إليه ، أن الأولى بالتخوف منهم ومكافحتهم والحد من تأثيرهم ، أولئك المستثقفون ، المدعون الثقافة؛ توهما أنها وقف على الشعراء والقاصة وكتاب الزوايا، وأعضاء مراكز الإعلام ، ونفيها عن بقية شرائح المجتمع وفئاته وطوائفه.
هؤلاء المستثقفون فاسدو الرؤية للذات ، وللآخر ، غاشون لأنفسهم ولمن تبهرهم لمعاناتهم وتراديدهم؛ فكما أن هناك طبيبا فاسدا ، ومدرسا غاشا ، وسياسيا قليل الحيلة والإدراك الواعي لكل أبعاد الموقف التاريخي، هناك من يكتفون بترديد عبارة ، أو جملة مبهرة، أو يحفظون عنوان كتاب لم يقرؤوه ، ومصطلحات بعيدة عن العامة ، فهم مستثقفون غاشون مغشوشون، يشوهون الوجه النبيل للثقافة ، ويهددون دور المثقف الذي أثبت التاريخ قيام شخصيات باذخة العطاء في إطاره ، بحماية وتسييج الأمة وركائز الوطن ، والدفاع عن مقدرات الشعوب .
وإن كان البعض يرى أن “مثقفين ” فسدوا وأفسدوا وروجوا لشعارات خدمت دكتاتوريات، وخدعت شعوبا، وأجلت إصلاحات ؛ فإن الحقيقة التي لامماراة فيها ، أن من قاموا بهذه الأدوار لاينتمون إلى الثقافة الحقة ؛ فالمثقف دائما في صف الحرية والتقدم والنماء .
المثققف الحق يعرف أن الأوطان لاتقايض ، وأن الحريات لايُساوم عليها ، وأنه إن بحث عن النجاء الذاتي من أزمات تواجه وطنه ومواطنيه، بوقوف على الأعراف، مدعياالحياد ، أو منحازا مأجورا لمنصب أو مال ، فهوخائن مستحق أن يُشهر في وجه ثقافته ليس مسدس غوبلز فقط ، فخيانة المثقف في مواقف مفصلية كالتي تعيشها أقطار عربية تواجه بجيوش حروب الجيل الرابع ، لاتقل جرما عن فرار جندي من ساحة المعركة .
لانريد طوابير من الشعراء والروائيين دون مواقف واضحة وساطعة لهم من الوطن وقضاياه ، ولاحاجة بنا إلى من لايهتمون والوطن في محنة الاستهداف لوجوده كله، إلا بلمعانات صورهم ، وحفلات توقيعات كتبهم ، وأحاديثهم المتلفزة في فضائيات السلعنة . نريد مثقفا جادا ، يدرك أن وجوده مرهون بوجود وطنه، فلا يُختطف من دوره ، ولا يهرب من مواجهة أعداء الداخل والخارج الذين لاتخفى تواطؤاتهم على إسقاط دولنا العربية واحدة تلو الأخرى ، حسب مرادات الكاوبوي المتعولم .
الالتباسات في المشاهد السياسية العربية والدولية ، لايقدر على فك شيفراتها ، وإزالة غوامضها غير مثقفف منتم ، ومفكر ملتزم ، لا مجرد صانع كتب أو أفلام ، ولا مجرد تاجر عبارات وكليشيهات، ولا منتج كليبات ثقافية كالتي تغشى فضاءاتنا ليل نهار .
محنة الوطن ، وصموده في مواجهتها، وإصراره على تخطيها ، لا يكفيها جندي مقاتل في جبهات القتال ، بل تحتاج لمقاتلين بثقافتهم الحقة دفاعا عن الهوية ، وصونا لفكرة الحرية التي لاقيمة لها فرديا إذا ما هددت حرية الأوطان .









