يُمثل الأمن القومي المصري في محيطه العربي وحدة عضوية لا تقبل التجزئة، حيث ترتبط استدامة الدولة المصرية ومصالحها الحيوية ارتباطاً وثيقاً باستقرار وأمن أشقائها العرب. وفي ظل التحديات المتسارعة عام 2026، تتبنى مصر رؤية شاملة قائمة على أن “أمن الخليج العربي” والمنطقة العربية ككل هو جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، مما يجعل المصير المشترك محوراً للتحركات السياسية والدبلوماسية والعسكرية.
وفي ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة، أصبح الأمن السيبراني مكونًا أساسيًا في معادلة الأمن القومي المصري. فالهجمات الإلكترونية لم تعد مجرد عمليات تخريبية محدودة، بل باتت قادرة على شل قطاعات حيوية كالبنوك والطاقة والمرافق الصحية، مع ما يترتب على ذلك من خسائر اقتصادية واضطراب اجتماعي واسع. وفي هذا الإطار، يصبح الاستثمار في منظومات سيبرانية وطنية، وتحديث التشريعات، وبناء وعي رقمي لدى الأفراد والمؤسسات ضرورة استراتيجية لا تقل أهمية عن تحديث القدرات العسكرية التقليدية.
ومن زاوية استشرافية، يمكن القول إن مستقبل الأمن القومي المصري سيُبنى على ثلاثة محاور مركزية: أولها تعزيز مرونة الموارد الحيوية، من خلال بناء بدائل استراتيجية للمياه والغذاء والطاقة، وإقامة شبكات ذكية للرصد والإدارة. ثانيها ترسيخ الاستقرار الداخلي عبر عقد اجتماعي جديد يقوم على التنمية المتوازنة، وتوسيع المشاركة المجتمعية، وتحصين المجتمع ضد الانقسامات. أما المحور الثالث فهو تأمين الفضاءات الحيوية في البحر والفضاء السيبراني والنطاق الإقليمي عبر تحالفات وشراكات مرنة، تسمح لمصر بالحفاظ على نفوذها وردع خصومها في بيئة دولية شديدة السيولة.
إن الأمن القومي المصري لم يعد قضية جيوسياسية أو عسكرية فحسب، بل بات منظومة شاملة تتقاطع فيها اعتبارات المياه والاقتصاد والمجتمع والتكنولوجيا. ومن ثمّ، فإن الرؤية الاستشرافية الواعية تقتضي الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء بنية صلبة للمرونة الوطنية قادرة على امتصاص الصدمات والتكيف مع التحولات، وبذلك يتحول الأمن من مجرد هدف دفاعي إلى مشروع وطني جامع يضمن بقاء الدولة وتعظيم قدرتها على المنافسة في المستقبل.
أصبحت التهديدات السيبرانية من أبرز التحديات الحديثة للأمن القومي المصري منذ عام 2016، مع توسع الاعتماد على التكنولوجيا الرقمية في قطاعات الطاقة والمواصلات والمصارف والخدمات الحكومية، حيث أظهرت هذه التهديدات قدرتها على شل البنية التحتية الحيوية، واختراق مؤسسات الدولة، ونشر معلومات مضللة تؤثر في الرأي العام.
واستجابت مصر لهذه المخاطر عبر بناء منظومة وطنية للأمن السيبراني منذ 2014، من خلال إنشاء المجلس الأعلى للأمن السيبراني ومركز EG-CERT، وتحديث الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني عام 2018، مع التركيز على تأهيل الكوادر البشرية وتطوير البنية التحتية الرقمية، كما بدأت الجامعات المصرية منذ 2022 في تدريس تخصصات الأمن الرقمي لتعزيز الوعي والقدرات الوطنية.
وعلى الصعيد الدولي والإقليمي، وقعت مصر اتفاقيات تعاون سيبراني عام 2021 مع الاتحاد الأوروبي وفرنسا والولايات المتحدة، واستضافت المنتدى العربي للأمن السيبراني عام 2023، بينما تم إدراج الحرب الرقمية ضمن مناورات “حماة السماء 2024” لمواجهة محاكاة الهجمات على أنظمة القيادة والسيطرة.
كما تم تطوير استراتيجية الأمن الإعلامي الوطني 2024 لمواجهة التضليل الإلكتروني، وحماية القطاعات الحيوية عبر جدران حماية متعددة وأنظمة كشف التسلل منذ 2020، بالتعاون مع شركات عالمية، وإطلاق مشروع مصر الرقمية لضمان أمن البيانات القومية، وفي عام 2025 دشنت وزارة الاتصالات مركز مصر الوطني للأمن السيبراني في العاصمة الإدارية، ليكون مركز قيادة ورصد متكامل للهجمات الإلكترونية.
وتستهدف مصر بحلول 2030 بناء مظلة سيبرانية وطنية موحدة تشمل القوات المسلحة ووزارات الدولة والقطاع الخاص، مع إدماج الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة للكشف المبكر عن التهديدات، ويظل الأمن السيبراني ركيزة أساسية لحماية استقرار الدولة واستقلال قرارها الوطني في عصر المعلومات.
وتتحرك مصر بمسئولية حقيقية يدركها صانع القرار المصري، من هنا جاءت جولة الرئيس السيسى الخليجية الأخيرة، لتؤسس جدارا صلبا من دعم الأشقاء فى الخليج العربي، استنادا على الجملة المركزية فى خطاب الرئيس السيسى بأن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصري، وهى رسالة بليغة، ودقيقة، تضع النقاط فوق الحروف، وتعزز من الرؤية الكلية للأمن القومى العربي، بوصفه كتلة واحدة، وليس نثارا من التشظي، والتوزع، والتجزئة التى تجلب الفرقة، والتفتيت، والارتباك فى مواجهة القضايا الوجودية التى تشهدها المنطقة والإقليم فى اللحظة الراهنة.
ومن هنا كانت الزيارات واللقاءات الثنائية بين الرئيس السيسى وقادة السعودية، والإمارات، وقطر، والبحرين، فى جولتين مكثفتين، ومفعمتين بالعمل، والأمل. توجد العديد من القضايا الإقليمية التي تدخل ضمن دوائر الأمن القومي المصري، مثل انهيار المنظومة الإقليمية العربية عقب غزو العراق واندلاع ثورات الربيع العربي، والتدخلات الخارجية في الثورة السورية، والتمدد الإيراني في العديد من الدول العربية، واتساع نفوذ الحوثيين باليمن، وتهديدهم للملاحة في البحر الأحمر. والصراع حول السيطرة على موارد الطاقة وخطوط الملاحة البحرية في شرق أفريقيا والخليج العربي.
تتبنى مفهوم تحقيق الأمن عن طريق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية كأس بقية أولى على التطور العسكري باعتبار أن الإنماء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي هم الركائز للاستقرار داخل المجتمع والتي تجنبه الصراعات وبالتالي تحقق أمن واستقرار ذاتي نابع من القواعد الشعبية صاحبة المصلحة الحقيقية في الأمن والاستقرار والرفاهية مؤكدين أن الأمن القومي هو التنمية ولا أمن بدون تنمية.
أما المدرسة المصرية فإنها تجمع بين ما تنادي به المدارس الثلاث السابقة لمواجهة كافة التهديدات في ظل الظروف الداخلية والإقليمية والعالمية المعاصرة بما يحقق:
·الاحتفاظ بقوات مسلحة قوية ومتطورة باعتبارها القوة الرادعة ودرع الدولة ضد كافة التهديدات الخارجية وأداة الحسم ضد التهديدات الداخلية.
·تواجد قوات أمن واعية لتأمين المواطنين وبث الطمأنينة بينهم.
·العمل على ترشيد أنفاق القوات المسلحة لتوفير أكبر قدر من الموارد المتيسرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية
·الاحتفاظ بإمكانيات قادرة على ردع العدوان ومواجهة التهديدات المختلفة المحيطة بنا إقليميا وعالميا.
·فإننا في مصر نطالب بقوات مسلحة قوية ومتطورة باعتبارها القوة الرادعة ودرع الدولة ضد كافة التهديدات الخارجية وأداة الحسم ضد التهديدات الداخلية.
· كما نطالب بقوات أمن واعية لتأمين المواطنين وبث الطمأنينة بينهم، مع ترشيد إنفاق القوات المسلحة لتوفير أكبر قدر من الموارد المتيسرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لإيماننا انه لا يمكن تحقيق التنمية بدون استقرار
ولا يمكن تحقيق الأمن بدون قوة عسكرية قادرة على ردع العدوان ومواجهة التهديدات المختلفة المحيطة بنا إقليميا وعالميا.. كما أن ما يتسم به الشعب المصري على اختلاف عقائده من إيمان عميق وقيم دينية وأخلاقية يجعل مدارس الأمن الثلاث الذى أشرنا إليها هي أساس أمنه القومي.
وعلى ضوء ذلك يمكن إيراد التعاريف التالية لتحديد مفهوم الأمن القومي العربي .
يعرف الأمن القومي العربي بأنه تكاتف الاقطار العربية لمواجهة الأخطار الخارجية ضدها ومواجهة التكتلات الخارجية خاصة الاقتصادية منها من خلال استراتيجية ثابته موحدة ومتكاملة تستطيع بها التصدي للتهديدات العسكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والتكنولوجية والمائية والغذائية والمعنوية التي يحتمل أن يتعرض لها الوطن العربي وهو قدرة الأمة العربية شعوبا وحكومات على حماية وتنمية القدرات والامكانات العربية على كافة المستويات من أجل تقوية نواحي الضعف فيالجسد العرب سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ودفاعياً وتطوير نواحي القوى بفلسفة وسياسة قومية شاملة تأخذ في اعتبارها المتغيرات الداخلية في الأولوية والمتغيرات الإقليمية والدولية .
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










