كان المقهى الصغير في آخر الشارع يشبهه تمامًا…
هادئًا، دافئًا، ومنسيًّا قليلًا.
وكانت “ليلى” تأتي إليه كل مساء، تجلس إلى الطاولة القريبة من النافذة، تطلب قهوتها دون سكر، وتفتح كتابًا لا تقرأ منه سوى الصفحة الأولى.
لم تكن تنتظر أحدًا. لكن قلبها كان يفعل.
وفي الزاوية المقابلة، كان هناك رجل يجيء في الموعد ذاته. يحمل دفترًا أسود، يكتب كثيرًا، ثم يمزّق الأوراق قبل أن يغادر.
لم يتحدثا يومًا. غير أن الصمت بينهما كان مألوفًا على نحو غريب… كأن روحًا ما كانت تتبادل الحديث بدل الكلمات.
وذات مساء، تأخرت ليلى.
رفع الرجل رأسه نحو الباب أكثر من مرة، ثم أغلق دفتره للمرة الأولى دون أن يمزق شيئًا.
وعندما دخلت أخيرًا، مبتلة بالمطر، لمحَت في عينيه ارتياحًا سريعًا حاول إخفاءه.
جلست في مكانها المعتاد، لكن النادل اقترب منها قائلًا:
“هذه لكِ.”
ناولها ورقة صغيرة.
ارتبكت. فتحتها ببطء، فوجدت جملة واحدة بخط هادئ:
“أظن أن هذا المقهى يصبح أكثر دفئًا حين تأتين.”
رفعت عينيها نحوه فورًا.
لكنه كان ينظر إلى نافذته، كأن شيئًا لم يحدث.
ابتسمت دون أن تشعر.
ومنذ ذلك اليوم… بدأ كل شيء صغيرًا جدًا.
كتاب يتركه لها بعد أن يغادر. وردة جافة بين الصفحات. مقعد يحتفظ لها به حين يزدحم المكان. وحديث قصير يزداد طولًا كل مساء.
حتى صار المقهى عالمًا كاملًا لا يخصّ سواهما.
وذات ليلة، انقطعت الكهرباء في الحي كله.
ساد الظلام، وتعالت همهمات الناس، بينما بقي ضوء خافت يتسلل من الشارع عبر الزجاج.
قالت ليلى وهي تضحك: “يبدو أننا سنجلس بصمت الليلة.”
أجابها بهدوء: “بل لأول مرة سنسمع قلوبنا بوضوح.”
صمتت.
ثم سألته بعد تردد: “هل تؤمن أن الأرواح قد تتعارف قبل الكلمات؟”
ابتسم، وقال: “لو لم أؤمن بذلك… لما أحببتك منذ أول مساء.”
توقفت أنفاسها للحظة.
لم يكن اعترافه صاخبًا، ولا مثاليًا، لكنه جاء دافئًا… كشيء كانت تنتظره منذ عمر.
وفي الخارج، كان المطر يهطل بهدوء، بينما شعرت ليلى أن العالم كله، لأول مرة، يشبه البيت.
@إشارة










