هويدا حجاجي تكتب.. الباب الذي ظلّ مواربًا

متتالية قصصية

في السابعة مساءً، كان المطر يضرب زجاج النوافذ القديمة في شارع ضيق بمدينة ليون الفرنسية، حين وقفت ماري أمام باب الغرفة رقم 17 في دار «سانت كلير» للمسنين، تحمل في يدها حقيبة صغيرة، وفي الأخرى ملفًا طبيًا بني اللون. طرقت الباب مرتين، فلم يجب أحد. فتحت الممرضة الباب قليلًا وقالت: «إنه نائم». نظرت ماري إلى السرير، فرأت جوليان مستلقيًا على ظهره، نحيلًا، شاحب الوجه، وقد غطّى شعره الأبيض معظم جبهته، وإلى جواره جهاز صغير يصدر صفيرًا منتظمًا، وكوب ماء لم يُمسّ. قالت الممرضة: «منذ إصابته بالجلطة قبل ثلاثة أشهر، لم يعد يتحدث إلا نادرًا». اقتربت ماري من السرير، وكان هذا الرجل الذي أمامها هو نفسه الذي عرفته قبل سبعة عشر عامًا، لكن الزمن لم يترك فيه إلا الهيكل الأخير لرجل كان يومًا يمشي سريعًا، ويضحك كثيرًا، ويقول لها إن الإنسان يستطيع أن يبدأ حياته من جديد متى امتلك شجاعة فتح الباب. قالت الممرضة وهي تغادر: «لا أعرف لماذا جئتِ كل هذه المسافة من باريس من أجله». ابتسمت ماري ابتسامة صغيرة وقالت: «لأنني تركت بابًا مفتوحًا منذ سبعة عشر عامًا». ثم أغلقت الممرضة الباب، وبقيت ماري وحدها. جلست إلى جواره، ولم تقل شيئًا في البداية، ثم أخرجت من حقيبتها رسالة قديمة، كانت الورقة صفراء عند الأطراف، ووضعتها أمامه وقالت: «تبتدرني الكلمات يا جوليان، فلا أملك لها ردًا ولا لجمًا». فتح عينيه، ولم تتحرك شفتاه. تابعت: «قالوا لي إن الحديث مع الراقد حزن كاسر وعذاب قاتل، لكنهم لم يعرفوا أن بعض الكلام لا يُقال كي يسمعه الآخر، وإنما كي ننجو نحن من حمله». تحركت أصابعه فوق الغطاء، فتوقفت ماري، ثم ابتسمت وقالت: «هل سمعتني؟» حرك إصبعه مرة واحدة، فاقتربت منه وقالت: «ما زلت تفعلها». رمقها بعينيه، فسألته: «ماذا؟» حاول أن يتكلم، لكن صوته خرج متقطعًا، فاقتربت من فمه، وقالت: «ماذا قلت؟» احتاج إلى عدة محاولات قبل أن تخرج الكلمة: «الباب». نظرت ماري إلى باب الغرفة، ثم عادت إليه وسألته: «أي باب؟» أغمض عينيه لحظة، ثم فتحهما وقال بصوت خافت: «بابك». قبل سبعة عشر عامًا، كانت ماري في السادسة والعشرين، تعمل مترجمة في مكتبة صغيرة قرب محطة القطار في باريس، وكان جوليان أستاذًا للفلسفة في جامعة ليون. التقيا في قطار متجه من باريس إلى ليون، وجلس إلى جوارها بالصدفة، وحين سقط كتابها من يدها التقطه وقال مبتسمًا: «تحبين الرجال الذين يكثرون من تعذيب شخصياتهم؟» فضحكت وقالت: «وأنت؟» فأجاب: «أحب النساء اللاتي لا يصدقن ما يقوله الرجال». ومنذ تلك الجملة بدأت الحكاية. لم تكن قصة حب صاخبة، بل شيئًا أكثر هدوءًا وخطورة؛ قهوة في مقهى صغير، مكالمة طويلة بعد منتصف الليل، رحلة قصيرة إلى آنسي، صورة التقطها لها جوليان أمام البحيرة، ثم وعد، ثم خوف، ثم صمت. في ذلك الوقت كانت ماري تستعد للسفر إلى إيطاليا مع والدها المريض، وكان جوليان قد تلقى عرضًا للعمل في سويسرا. قال لها: «سأسافر شهرين فقط». سألته: «وبعدهما؟» قال: «أعود». نظرت إليه طويلًا وقالت: «لا تقل أعود إذا لم تكن متأكدًا». ابتسم وقال: «سأعود». لكنه لم يعد. بعد أسبوعين، اكتشفت ماري أن والدها يحتاج إلى عملية عاجلة، فسافرت معه إلى روما. مرت الأيام، ثم الشهور، وكان جوليان يكتب. في الرسالة الأولى: «لا أعرف لماذا أشعر أنك تبتعدين». وفي الثانية: «هل حدث شيء؟» وفي الثالثة: «ماري، لا تتركي الباب مواربًا ثم تغادرين». ثم توقفت الرسائل. بعد عام، عرفت من صديق مشترك أنه تزوج. لم تبكِ. أغلقت الهاتف، وتزوجت هي أيضًا بعد عامين من رجل اسمه توماس، وأنجبت منه ابنة، وعاشت في باريس، وتعلمت الطبخ، وعملت، وكبرت ابنتها، ثم مات توماس في حادث سيارة، ومع كل سنة كانت تقول لنفسها إن الماضي انتهى، لكنها لم تستطع التخلص من الرسالة الثالثة، فكانت تخبئها في درج مكتبها، الرسالة التي كتب فيها: «لا تتركي الباب مواربًا ثم تغادرين». عاد صوت جوليان إلى الغرفة، وقال بصعوبة: «لماذا… جئتِ؟» أجابته: «لأنني علمت أنك وحدك». سألها: «وحدي؟» ابتسمت وقالت: «نعم». قال: «زوجتي ماتت منذ خمس سنوات، وابني يعيش في كندا». ثم نظر إليها طويلًا وسألها: «وأنتِ؟» قالت: «أنا أيضًا فقدت زوجي». ساد الصمت، وكان المطر لا يزال يطرق النافذة. أخرج جوليان من تحت الوسادة ظرفًا أبيض، وقال: «قرأت رسالتك قبل سبعة عشر عامًا». فتحت ماري الظرف، وكان فيه جواب لم يصل إليها قط: «ماري، لا أريد أن أطلب منك الانتظار. أريد فقط أن تعرفي أنني لم أخنك، ولم أتخلَّ عنك. لكنني لا أستطيع أن أعيش في انتظار امرأة لا أعرف إن كانت تريدني أم لا». رفعت عينيها إليه وقالت: «لماذا لم ترسلها؟» أجاب: «أرسلتها». قالت: «لم تصلني». أغمض عينيه وقال: «إذن فقد عشنا سبعة عشر عامًا بسبب رسالة ضائعة». هزت ماري رأسها وقالت: «لا». نظر إليها. قالت: «عشنا سبعة عشر عامًا لأننا لم نملك شجاعة أن نسأل». ساد بينهما صمت طويل، ثم قالت ماري: «من أخبرك أنني كنت في روما؟» أجاب: «زوجتي». تجمدت في مكانها، فتابع: «كانت أخت الطبيب الذي عالج والدك». لم تعرف ماذا تقول. في صباح اليوم التالي، جاءت الممرضة لتجد ماري نائمة على الكرسي، بينما كان جوليان مستيقظًا. قال لها: «افتحي الباب». فتحت الباب، ودخل ضوء الممر. قالت: «تريد شيئًا؟» أجاب: «أريد أن أمشي». ضحكت وقالت: «أنت لا تستطيع». قال: «ساعديني». ساعدته على الوقوف، وكان جسده يرتجف. خطا خطوة، ثم أخرى، وتوقف. قال: «هل ترين؟» سألته: «ماذا؟» قال: «لم أسقط». أمسكت يده وقالت: «لأنني أمسكك». هز رأسه وقال: «لا، لأنك هذه المرة لم تغادري». لم تجبه. مشيا ببطء في الممر الطويل، وكان الباب خلفهما مفتوحًا. وعندما وصلا إلى النافذة، توقف جوليان. كان المطر قد توقف، والمدينة بدأت تستعيد لونها. قال: «هل تعتقدين أن الوقت يمكن أن يعيد لنا ما أخذ؟» نظرت ماري إلى الشارع وقالت: «لا». سألها: «إذن ماذا بقي؟» فكرت قليلًا ثم قالت: «بقي أن نعرف لماذا فقدناه». نظر إليها وقال: «وهل عرفتِ؟» ابتسمت وقالت: «نعم». سألها: «لماذا؟» فقالت: «لأننا كنا ننتظر من الآخر أن يطرق الباب، بينما كان كل واحد منا يقف خلف بابه ويظن أن الآخر رحل». ضحك جوليان للمرة الأولى منذ سنوات، ثم قال: «ماري». أجابته: «نعم؟» قال: «هل ستأتين غدًا؟» نظرت إلى يده المرتجفة، ثم إلى الباب المفتوح في آخر الممر، وقالت: «سأطرق هذه المرة». ومضت إلى جواره. وفي اليوم التالي، لم تكن تحمل حقيبة صغيرة ولا ملفًا طبيًا، كانت تحمل كتاب دوستويفسكي القديم، ذلك الكتاب الذي سقط من يدها في القطار قبل سبعة عشر عامًا. وضعته على الطاولة، فقال جوليان: «ما زلت تحتفظين به؟» أجابته: «بعض الأشياء تسقط من اليد، لكنها لا تسقط من العمر». ثم جلست إلى جواره، ولأول مرة منذ سبعة عشر عامًا لم يكن بينهما شيء ينتظران قوله. كان الباب مفتوحًا، وكان الصباح قد بدأ.

شاهد أيضاً

دموع المطلق : أزمة المثالية الأخلاقية وتجلى السقوط البشري.. قراءة نقدية فى المجموعة القصصية “بكاء الملائكة” للكاتب كمال يونس

يقدم الكاتب كمال يونس في مجموعته القصصية “بكاء الملائكة” وثيقة إبداعية تنطلق مما أسماه في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *