الخميس , 29 أكتوبر 2026

مأمون الشناوي يكتب.. ماذا تركت لنا !!

كان السؤال كالصفعة على وجه الأب ، حين داهمه به ولده ، ماذا تركت لنا ، ورغم مافي السؤال من فجاجة تصل حد الوقاحة ، إلا أن الأب تمالك نفسه ، وهدأ من روعه ، وأغمض عينيه ، وراح يلوك السؤال في أعماق نفسه ، وفي أزقة عقله ، ويبحث في جوانحه عن إجابة تقنع هذا الابن المُتبجح !!.
ماذا تركت لنا ، صحيح ، وهذا الأب لايملك من الدنيا سوي دار ودوار وبعضاً من رؤوس الماشية ، وفدادنين ورثهما عن أمه التي تملكتهما من الإصلاح الزراعي ، لا قصور ولا فيلات ولا أطيان ولا مصانع ولا أرصدة في البنوك ، ولا أسهم في البورصة ، ولاحتى شهادة استثمار بنكية !!.
ماذا يقول لابنه ، هل يقول له بأنه أورثه العلم والتعليم الجيد ، سيضحك الولد مِلء شدقيه ساخراً في أعماقه ؛ فهناك ملايين المُتعلمين من ذوي الشهادات العليا ينامون فوق الرصيف ، ويبيعون فريسكا على الشواطئ ، ويركبون تكاتك ، ويعملون نوادل في الكافيهات ، كما أن [ عمه ] الجاهل الذي لايفك الخط صار مليونيراً ، وعضواً في البرطمان ، بل وأصدر جريدة ، استأجر فيها كبار الصحفيين لكيّ يكتبوا باسمه مقالاً في افتتاحية الجريدة كل أسبوع ، ثم تستضيفه برامج [ التوك شو ] بصفته مُفكراً استراتيجيّاً فحلاً ، وهو لايعرف الفرق بين الرأسمالية والطعمية ، ولا بين مجموعة العشرين ومجموعة الانفلونزا ، ولابين البريكس والشويبس !!.
إذن سيقول له بأنه زرع فيهم الأخلاق ، فوراً سيخرج الولد لسانه ، عن أي أخلاق تتكلم ياوالدي ، وهذا زمن [ محجوب عبد الدايم ] ، زمن قذر والأقذر هو الذي يعلو ويكبر ، ألم يأتك نبأ هذا الفنان الصعلوك الذي بحوزته ست عشرة سيارة ، ويغسل وجهه بصابونه من الذهب ، وكل مهمته الترويج لقلة الأخلاق وقلة الأدب ، وتنشيط جينات السفالة والنطاعة والبلطجة وانعدام الضمير !!.
طال مشوار الأب مع نفسه ، وغابت غمغمته وسرحانه ، وكأنه غواص سحبته الموج إلى الأعماق ، حتى أوشك أن يختنق !!.
أخيراً ، رفع الأب المصدوم رأسه في ثقة ، وكأن وحيّاً أتاه من السماء ، أو إلهاماً هداه إلى جواب استقر في عقله ، وقال لولده :

  • إسمع يا بُنيّ ، لقد وضعت أمام عينيّ منذ أن رزقني الله بكم ، تلك الآية الكريمة ، لتكون لي نبراساً ، وسِراجاً منيرا :
    ( وليَخشَ الذين لو تركوا من خلفِهِم ذُريةً ضِعافاً خافوا عليهم ، فليتقوا الله وليقولوا قُوّلاً سديدا ) صدق الله العظيم [ التاسعة من سورة النساء ] !!.
    تقوى الله ، والقول السديد !!.
    وأظنني اتقيّتُ الله في كل حركاتي وسكناتي ، وقُلتُ ولازلت أقول قولاً سديداً وفق قناعاتي ومعارفي !!.
    هذا ماتركته لك يابُنيّ ، سواءً أقنعك هذا أو لم يُقنعك ، فغداً سوف تعرف قيمته !!.

شاهد أيضاً

أ.د. على أحمد جاد بدر يكتب.. وزير الدفاع السعودي في طهران .. دبلوماسية القوة وإعادة تشكيل التوازنات في الشرق الأوسط

لم تعد التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط مجرد تطورات عسكرية عابرة، أو خلافات سياسية يمكن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *