الرقمنة سلاح ذو حدين في الحياة الأسرية؛ فبينما وفرت تطبيقات المراسلة ومكالمات الفيديو أدوات تواصل فورية تقرب المسافات الجغرافية، إلا أنها تسببت غالباً في “العزلة وسط الجماعة”. يحدث هذا عندما يجتمع أفراد الأسرة في مكان واحد بينما ينغمس كل فرد في عالمه الافتراضي الخاص، مما ي
والدراسات في مصر مواكبة لهذه التطورات أيضًا، فوفقًا لتقرير المعهد القومي للصحة العامة، فإن 37% من الأفراد فوق 55 عامًا يعانون مما يُعرف بـ”العزلة الرقمية”، وهي حالة يتراجع فيها التفاعل الاجتماعي الواقعي لصالح العالم الافتراضي.
والحل ليس في الانسحاب من التكنولوجيا، بل في ترشيد استخدامها، وتوصي منظمة الصحة العالمية بوضع “حدود صحية رقمية”، وهذا يعني تخصيص وقت محدد للشاشات، وتفعيل اللقاءات العائلية الواقعية، وتعلم المهارات الرقمية بشكل آمن.
العزلة الرقمية ليست انعزالًا عن الناس فحسب، بل انفصال عن الذات أيضاً، حين انشغلنا بتوثيق اللحظة بدلاً من عيشها، وعندما باتت الردود أهم من الحوار، والظهور أهم من الحضور، لقد خسرنا مهارة الجلوس دون مشتت، ومهارة الإصغاء دون النظر إلى شاشة الهاتف المحمول.
وما هو أخطر من ذلك أن العزلة الرقمية تتسلل إلينا بهدوء، دون إعلان، نظن أننا متصلون بالعالم، بينما نحن في الحقيقة نتراجع خطوة بعد خطوة نحو مساحة ضيقة لا يسكنها أحد سوانا، نجتمع في غرف مليئة بالناس، لكن العيون معلّقة بالهواتف، تتشابك الأصابع مع الهواتف أكثر من تلاقي العيون، وكأن صمت الشاشات أصبح مرآة لمشاعرنا المفقودة.
أما الأطفال والمراهقون يعيشون عزلة مضاعفة، يكبرون على إيقاع منصاتٍ تصنع مقارنات لا تنتهي، وصورًا مصقولة تُشعرهم بأن حياتهم أقل اكتمالاً، تتشكل شخصياتهم في عالمٍ لا يمنحهم فرصة الخطأ، ولا يسمح لهم بالتعرّف على أنفسهم بعيدًا عن ضغط المقاييس الرقمية، وهذا ما يهدد القيم التي تربّينا عليها من البساطة، واللقاء الحميمي، والسؤال الصادق، والقدوة التي تُرى بالفعل لا بالصورة.
مما لا شك فيه أن العلاقات الاجتماعية تأثرت بطريقة ما بالتطورات الهائلة المتتالية التي حدثت في المجتمع في ظل العولمة، خاصة فيما يتعلق بتكنولوجيا المعلومات وتقنية الأنترنيت، وهو ما يهيئ الفرصة لتغيرات جذرية في المجالين المادي والمعنوي الذي تتخذه وتتشكل في إطاره مختلف نماذج العلاقات الاجتماعية. فالأنترنيت لم تعد مجرد شبكة عالمية لتخزين المعلومات أو أداة لتداولها بشكل سريع، بل أصبحت تؤدي اليوم مهاماً استثنائية ذات انعكاسات سياسية وإعلامية وعلمية واقتصادية وثقافية واجتماعية أيضاً.
لقد أصبح لشبكة الأنترنيت، ومواقع التواصل الاجتماعي خاصة، دور في عزل الأفراد اجتماعياً وتفكيك العلاقات بين الأفراد في المجتمع المغربي، الذين أصبحوا يقضون وقتاً طويلاً في التعامل مع الكومبيوتر والأنترنيت والهواتف الذكية، بما ينطوي عليه من عزلة اجتماعية، وبالتالي تفكك الرابط الأسري، خاصة في ظل انتشار أنماط جديدة من القيم والمسلكيات في المجتمع. إن مقولة العالم قرية صغيرة، تحمل في جوهرها تناقضاً واقعياً صارخاً يتمثل في كون التطور التقني والتكنولوجي على الرغم من كونه ساهم في سيولة المعلومات وغزارتها وتمكين الإنسان من التواصل مع الآخر البعيد مجالياً، إلا أنه في نفس الوقت جعل المجال الحميم بين أفراد الأسرة عبارة عن جزر معزولة ليس بينها أي رابط، وكأن الأنا التقنية تعيش خارج حدود اللا-واقعي القريب والبعيد في نفس الوقت.
ولعلّ أصعب ما في العزلة الرقمية أنّها عزلة نختارها دون وعي، نفتح لها الباب كلما فتحنا شاشات هواتفنا، ونسمح لها بالاقتراب كلما انسحبنا من محادثة حقيقية إلى محادثة افتراضية، علينا أن نتذكر بأن الحياة الحقيقية هو ما يحدث بين الناس، في تفاصيل صغيرة لا تُوثَّق، وفي حوارات لا تحتاج إلى شاشات، إنها دعوة لأن نرى العالم بعيوننا لا بعدسات هواتفنا، وأن نعود إلى أنفسنا قبل أن نفقدها في زحمة التواصل الرقمي.
ولم يعد هذا المصطلح قاصرًا على فئة الشباب فقط، بل امتد أثره ليشمل جميع فئات المجتمع، وباتت الأغلبية تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة للتفاعلات الاجتماعية واللقاءات الفعلية المباشرة، مما دفع كثيرًا من أفراد المجتمع إلى العزلة الاجتماعية التي صارت وباءًا متناميًا، وملاذات وهمية للشباب.
والعزلة بشكلٍ عام هي الابتعاد عن العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع، وتقليص شبكة العلاقات الاجتماعية، والاستغناء عنها بالتفاعلات على مواقع التواصل الاجتماعي التي تعتبر وهمًا دون تفاعل هادف.
ومع أن هذه الوسائل الرقمية تقدم تسهيلات كبيرة، إلا أنها لا تستطيع تعويض تلك الأواصر العميقة التي تُبنى من خلال اللقاءات الشخصية والمشاعر المشتركة، الأمر الذي يجعل غيابها مدخلًا لمشكلات أعمق، حيث إنَّ للعزلة الرقمية آثارًا سلبية، أخطرها: وقوع الشباب فريسة للتطرف والجماعات المتشددة التي تستغل وحدتهم وانعزالهم في ظل بحثهم عن الانتماء وما يعانونه من فراغ نفسي ومشاكل إدراكية بسبب ضعف العلاقات الاجتماعية، فيصبحون أهداف سهلة للاستقطاب.
التماسك الأسري في الفضاء الرقمي لم يعد ترفاً اجتماعياً، وإنما ضرورة لحماية الأجيال القادمة من الاغتراب عن قيمها المجتمعية، ففي أعرافنا تشكل الأسرة الحصن الأول في مواجهة العزلة الرقمية، وهي المدرسة التي تعلم أبناءها أن للحوار قيمة تفوق سرعة الرسائل الفورية، وأن للجلوس حول مائدة الطعام معنى أعمق من متابعة بث مباشر لا ينتهي.
وهنا يبرز دور الهيئات والمؤسسات المجتمعية، التي تحرص على ضمان استقرار الأسرة وتواصلها بشكل دائم، ولعل مبادرة «تقهوى» التي أطلقتها دائرة تنمية المجتمع في أبوظبي، بالتعاون مع مؤسسة التنمية الأسرية والقطاع الخاص، تمثل نموذجاً ملهماً يؤكد أن التكنولوجيا ليست دائماً عاملاً للتباعد، وإنما يمكن أن تكون جسراً للتقارب إذا أُحسن توظيفها.
ولذلك فالمنصة ليست مجرد أداة لتقديم الاستشارات الأسرية، بل فضاء يبعث في نفوس الأزواج شعوراً بالخصوصية، ويدعوهم إلى الجلوس ـ ولو افتراضياً ـ في مقهى تقليدي إماراتي، حيث القهوة رمز للدفء والحديث الصريح، وحيث تناقَش التحديات بروح المشاركة والتفاهم.
تذكرنا مبادرة «تقهوى» بأن التماسك الأسري في العصر الرقمي يتطلب مرونة وابتكاراً، وأن الأسرة تبقى المنارة التي تهدي أبناءها نحو حياة أكثر توازناً، ودفئاً، ومعنى.
خلاصة القول، إن الرقمنة وسيلة، لا غاية، ونحن في هذه المرحلة من العمر، بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى توازن يُبقينا متصلين بالعالم، دون أن يعزلنا عن ذواتنا أو أحبائنا، فلنختر أن نكون “مستخدمين واعين” لا “مستهلكين متورطين”، ولنُبقِ للتكنولوجيا دورها كأداة، لا كبديل عن الحياة. ضعف جودة التواصل العاطفي والحوار الأسري العميق..
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










