صرخة من قلب المواطن
لم يعد المواطن البسيط يحلم بالكثير.
لم يعد يطلب رفاهية العيش، ولا يسعى وراء الكماليات، بل أصبح أقصى طموحه أن يتمكن من عبور الشهر بكرامة، وأن يعود إلى منزله حاملًا ما يكفي أسرته من طعام ودواء دون أن يطارده شبح العجز أو الدين.
في الأسواق ترتفع الأسعار كأنها تتسابق مع الزمن، بينما تقف الدخول ثابتة أو عاجزة عن ملاحقة هذا الجنون اليومي. أصبح رب الأسرة يدخل متجر البقالة بقائمة طويلة من الاحتياجات، ثم يخرج حاملًا نصفها، وربما أقل، بعدما فرضت عليه الأسعار إعادة ترتيب أولوياته وأحلامه معًا.
الغلاء لم يعد مجرد أزمة اقتصادية تُناقش في التقارير والبيانات، بل أصبح واقعًا يعيشه الناس في تفاصيل يومهم. في رغيف الخبز، وفي فاتورة الكهرباء، وفي ثمن الدواء، وفي احتياجات الأطفال التي تتزايد بينما تتضاءل القدرة على تلبيتها.
الأكثر إيلامًا أن المواطن لم يعد يبحث عن حلول سريعة، بل عن شعور بأن معاناته تُرى وتُسمع. يريد أن يشعر أن صوته يصل، وأن أوجاعه ليست مجرد أرقام في جداول الإحصاءات.
إن قوة الأوطان لا تُقاس فقط بالمشروعات الكبرى أو الأبراج الشاهقة، بل تُقاس كذلك بقدرة الإنسان العادي على العيش بكرامة. فالمواطن هو حجر الأساس في أي نهضة حقيقية، وإذا أثقله الغلاء وأرهقته الأعباء، فإن المجتمع كله يدفع الثمن.
الناس لا تطلب المستحيل، ولا تبحث عن المعجزات. إنها تطلب فقط حياةً أكثر عدلًا، وفرصًا أكثر إنصافًا، ورؤيةً تمنحها الأمل بأن الغد قد يكون أفضل من اليوم.
فالأمم لا تبنى بالصمت على معاناة الناس، بل بالإصغاء إليهم، وفهم احتياجاتهم، والعمل الجاد لتخفيف أعبائهم.
ويبقى السؤال الذي يتردد على ألسنة الملايين كل صباح:
إلى متى يظل المواطن وحده يدفع فاتورة الأزمات؟
وإلى متى يبقى الصبر هو المورد الوحيد الذي لم ترتفع أسعاره بعد؟










