د. شمس راغب تكتب.. سيدنا علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – وكرم الله وجهه.. لأنه لم يسجد لصنم قط



• ما دوره البطولي في الهجرة النبوية المباركة ؟ وما أثر ذلك في
بناء شخصية الشباب ؟

مقدمة بلاغية : الحمد لله الذي جعل التضحية طريق العظماء ، والإيمان وقود الأبطال ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – الذي ربى جيلا حمل الدعوة بصدق وفداء ، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين •

  • إنما الجمال الحقيقي من نور القرآن والسيرة العطرة ، ونحن جميعا
    نغترف من ذلك البحر الذي لا ينضب • وما أجمل سيرة علي بن
    أبي طالب – رضي الله عنه – حين نتأملها لا كأحداث تاريخية فحسب ، بل كمدرسة في الإيمان واليقين •
  • في ليلة الهجرة نام علي – رضي الله عنه – على! فراش النبي – صلى الله عليه وسلم – لكن الحقيقة أن الذي نام على الفراش كان الجسد ، أما الروح فكانت واقفة على باب التاريخ تكتب بمداد اليقين أعظم دروس الفداء •
  • أرادت قريش أن تجعل من تلك الليلة نهاية الدعوة ، فجعلها الله تعالى بداية الدولة ، وأرادت السيوف أن تطفيء النور
    ، فإذا بالنور يملأ الآفاق •
  • هذه هي سنن الله تعالى ؛ قد يحتشد الباطل بكل قوته ، لكن
    كلمة الحق إذا رعاها الله بلغت غايتها •
  • ” نام علي على فراش الخطر ، فاستيقظت الأمة على درس
    خالد ؛ أن الإيمان إذا ملأ القلب صغرت أمامه السيوف ، وأن الشباب إذا صدقوا مع الله نهضوا بالأمة •
    أما بعد :
  • فإذا ذكرت الهجرة النبوية المباركة ، اتجهت الأبصار إلى رحلة النبي – صلى الله عليه وسلم – من مكة إلى المدينة، ولكن خلف هذه الرحلة العظيمة يقف شاب مؤمن جسد أروع معاني الشجاعة
    واليقين والتضحية ، إنه سيدنا علي بن أبي طالب – رضي الله عنه وكرم الله وجهه ، الذي نام في فراش النبي – صلى الله عليه وسلم – ليلة أحاط المشركون ببيت النبي يريدون قتله ، فضرب للأجيال مثلا خالدا في الفداء والإيمان •
  • الهجرة لم تكن انتقالا من مكان إلى مكان ، وإنما كانت انتقالا من الخوف إلى الطمأنينة ، ومن الاستضعاف إلى التمكين ، ، ومن الأرض إلى السماء بمعاني الإيمان واليقين ، وأن التضحية في سبيل الحق لا تضيع صاحبها ، وأن من حفظ دين الله حفظه الله • قال تعالى : ” من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ” سورة الأحزاب : ٢٣ .

أولا : لمحة عن سيدنا علي – رضي الله عنه –

  • هو علي بن أبي طالب ، ابن عم رسول الله – صلى الله عليه وسلم –
    وزوج ابنته السيدة فاطمة الزهراء – رضي الله عنها – وأحد السابقين الأولين إلى الإسلام • ومن العشرة المبشرين بالجنة .

قال له النبي – صلى الله عليه وسلم – : ” أما ترضى أن. تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ” رواه البخاري ومسلم ” •

ثانيا: ما الأسرار الخفية في بطولة علي – رضي الله عنه – ليلة الهجرة ؟

١- لم يكن فداء بالنفس فقط ••• بل فداء لمستقبل الأمة •

كثير من الناس يركزون على أن عليا نام في فراش النبي – صلى الله عليه وسلم – معرضا نفسه للخطر ، لكن القضية أكبر من ذلك •

فلو نجحت قريش في قتل النبي – صلى الله عليه وسلم – تلك الليلة لانقطع مشروع الدولة الإسلامية قبل أن يولد في المدينة
كان علي رضي الله عنه يحرس بوجوده على الفراش مستقبل
الرسالة كلها ، لا مجرد شخص واحد •

٢ – علي-رضي الله عنه – كان الشاهد الوحيد على آخر لحظات مكة •

من المعاني القيمة التي قل من يتحدث عنها أن عليا- رضي الله عنه – كان آخر من بقي في بيت النبوة بعد خروج الرسول – صلى الله عليه وسلم – كأن الله اختاره ليكون الحلقة الأخيرة بين
عهد الاستضعاف في مكة وعهد التمكين في المدينة •

٣ – اجتماع أعظم خلقين في ليلة واحدة •

في تلك الليلة اجتمع في علي – رضي الله عنه – خلقان نادرا ما يجتمعان :
أ- الشجاعة المطلقة : بالنوم في فراش النبي- صلى الله عليه وسلم – وهو محاصر بالسيوف •
ب- الأمانة المطلقة : برد ودائع أهل مكة والمشركين بعد ذلك •
فكثير من الناس قد يكون شجاعا لكنه ليس أمينا ، أو أمينا لكنه
يضعف عند الخطر • أما علي – رضي الله عنه – فجمع الفضيلتين معا •

٤- أخطر ما في الموقف الانتظار :

  • القتل السريع أهون على النفس من انتظار القتل •

المشركون كانوا يحيطون بالدار طوال الليل يترقبون خروج النبي – صلى الله عليه وسلم – وعلي – رضي الله عنه – يعلم أنهم قد يقتحمون البيت في أي لحظة •

  • إنها ساعات طويلة من الثبات النفسي المذهل ، وهي بطولة نفسية قبل أن تكون بطول جسدية •

٥ – أول نموذج عملي للشباب في الإسلام •

الهجرة لم يقم بها الشيوخ وحدهم •

الشخصيات المحورية فيها كانت شابة :

  • علي بن أبي طالب – رضي الله عنه • عبدالله بن أبي بكر •
    أسماء بنت أبي بكر • عامر بن فهيرة • عبد الله بن أريقط •

وكأن الرسالة. توحي باشتراك الشباب الشجاع في نهضة الأمة •

٦ – المعنى التربوي الأعظم •

أرى أن أعظم ما في القصة ليس النوم على الفراش ، وإنما أن
عليا لم يقل للنبي – صلى الله عليه وسلم – لماذا أنا ؟ ولم يسأل
عن الضمانات أو النتائج ، بل كانت الطاعة والثقة والمحبة كاملة
وقد ورد في السيرة أن النبي – صلى الله عليه وسلم – طمأنه بقوله : ” فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم ” سيرة ابن هشام ، حيث نقل خبر مبيت علي بن أبي طالب على فراش النبي – صلى الله عليه وسلم – وأشار إليه ابن العربي ، في كتابه أحكام القرآن . وهذه من أرقى صور اليقين •

٧- لم تكن بطولة علي- رضي الله عنه – أنه نام في فراش النبي- صلى الله عليه وسلم – بل كانت البطولة الحقيقية أنه نام مطمئنا ، بينما كانت سيوف كفار قريش مستيقظة حوله •

ثامنا : لماذا كانت هذه البطولة استثنائية ؟

١ – لأنه كان شابا صغير السن : كان في مقتبل العمر ، ومع ذلك تحمل مسئولية عظيمة •
٢ – لأنه واجه الموت طواعية : لم يجبره أحد على ذلك ، بل فعلها حبا لله ورسوله •
٣- لأنه جمع بين الشجاعة والأمانة : نام في الفراش ، ثم بقي
يرد الحقوق إلى أصحابها •
٤ – لأنه قدم مصلحة الدعوة على مصلحته الشخصية : وهذا من أعظم معاني الإيثار • قال تعالى : ” ويؤثرون على أنفسهم ولو
كان بهم خصاصة ” سورة الحشر : ٩

تاسعا : ما أثر قصة علي – رضي الله عنه – في الشباب ؟

أ – صناعة الشخصية الشجاعة : الشجاعة ليست تهورا ، بل ثبات على الحق عند الشدائد •
ب – ترسيخ قيمة التضحية : فلا نجاح لأمة دون شباب مستعدبن لبذل الجهد والوقت والعلم لخدمة دينهم وأوطانهم •

ج – تعزيز الأمانة : فالأمانة من أعظم أسباب نهضة الأمم •
د – اليقين بنصر الله – فقد أحاط المشركون بالبيت ، ومع ذلك
نجى الله تعالى نبيه وأتم أمره • قال تعالى : ” إلا تنصروه فقد نصره الله ” سورة التوبة: ٤٠ •

عاشرا : ما الدروس المستفاد من موقف علي – رضي الله عنه ؟

١- الإيمان الصادق يصنع المعجزات البشرية • ٢ – الشباب عماد التغيير والإصلاح . ٣- التضحية من أجل المبادئ طريق العظماء .
٤ – الأمانة لا تسقط حتى من الأعداء • ٥ – نصرة الحق تحتاج
إلى شجاعة عملية لا شعارات فقط • ٦- الثقة بالله أقوى من الخوف من البشر • ٧ – الصحابة رضوان الله عليهم كانوا مدرسة متكاملة في الأخلاق والبطولة •

  • رؤية تربوية معاصرة : إن شباب اليوم لا يطلب منهم أن يناموا على فراش تحيط به السيوف ، ولكن يطلب منهم ما هو في. متناولهم : الصدق ، والأمانة ، والاجتهاد في طلب العلم ، وخدمة المجتمع ، والثبات على المبادئ .
  • فمن اقتدى ” بعلي – رضي الله عنه – في أمانته وشجاعته
    وإخلاصه ، كان لبنة صالحة في بناء الأمة •

خاتمة بلاغية مؤثرة :

  • تمر القرون وتبقى بعض المواقف أكبر من الزمن ، ومن هذه المواقف ليلة نام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في فراش
    رسول الله- صلى الله عليه وسلم – بينما كانت السيوف تترقب لحظة الانقضاض •
  • لم يكن يحمل درعا من حديد ، وإنما كان يحمل يقينا من الإيمان ، ولم يكن يستند إلى قوة البشر ، بل إلى قوة الثقة بالله .
  • إنها رسالة خالدة لكل شباب الأمة : أن البطولة ليست في كترة
    الكلام ، وإنما في صدق الموقف ، وأن الرجال تعرف عند الشدائد ، وأن من باع نفسه لله اشترى الخلود في صفحات التاريخ •
    فرضي الله عن علي بن أبي طالب ، وعن أصحاب رسول الله أجمعين ، وجعل شباب أمتنا وارثين لشجاعتهم وأمانتهم وإخلاصهم • اللهم آمين يارب العالمين وصلاة وسلاما على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاهد أيضاً

وزير الأوقاف يوجه بزيادة الدفعة الأولى من القرض الحسن إلى ٢٠ مليون جنيه

كتب عادل احمد وجه الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري – وزير الأوقاف، بزيادة قيمة الدفعة الأولى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *