• ما دوره البطولي في الهجرة النبوية المباركة ؟ وما أثر ذلك في
بناء شخصية الشباب ؟
مقدمة بلاغية : الحمد لله الذي جعل التضحية طريق العظماء ، والإيمان وقود الأبطال ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – الذي ربى جيلا حمل الدعوة بصدق وفداء ، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين •
- إنما الجمال الحقيقي من نور القرآن والسيرة العطرة ، ونحن جميعا
نغترف من ذلك البحر الذي لا ينضب • وما أجمل سيرة علي بن
أبي طالب – رضي الله عنه – حين نتأملها لا كأحداث تاريخية فحسب ، بل كمدرسة في الإيمان واليقين • - في ليلة الهجرة نام علي – رضي الله عنه – على! فراش النبي – صلى الله عليه وسلم – لكن الحقيقة أن الذي نام على الفراش كان الجسد ، أما الروح فكانت واقفة على باب التاريخ تكتب بمداد اليقين أعظم دروس الفداء •
- أرادت قريش أن تجعل من تلك الليلة نهاية الدعوة ، فجعلها الله تعالى بداية الدولة ، وأرادت السيوف أن تطفيء النور
، فإذا بالنور يملأ الآفاق • - هذه هي سنن الله تعالى ؛ قد يحتشد الباطل بكل قوته ، لكن
كلمة الحق إذا رعاها الله بلغت غايتها • - ” نام علي على فراش الخطر ، فاستيقظت الأمة على درس
خالد ؛ أن الإيمان إذا ملأ القلب صغرت أمامه السيوف ، وأن الشباب إذا صدقوا مع الله نهضوا بالأمة •
أما بعد : - فإذا ذكرت الهجرة النبوية المباركة ، اتجهت الأبصار إلى رحلة النبي – صلى الله عليه وسلم – من مكة إلى المدينة، ولكن خلف هذه الرحلة العظيمة يقف شاب مؤمن جسد أروع معاني الشجاعة
واليقين والتضحية ، إنه سيدنا علي بن أبي طالب – رضي الله عنه وكرم الله وجهه ، الذي نام في فراش النبي – صلى الله عليه وسلم – ليلة أحاط المشركون ببيت النبي يريدون قتله ، فضرب للأجيال مثلا خالدا في الفداء والإيمان • - الهجرة لم تكن انتقالا من مكان إلى مكان ، وإنما كانت انتقالا من الخوف إلى الطمأنينة ، ومن الاستضعاف إلى التمكين ، ، ومن الأرض إلى السماء بمعاني الإيمان واليقين ، وأن التضحية في سبيل الحق لا تضيع صاحبها ، وأن من حفظ دين الله حفظه الله • قال تعالى : ” من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ” سورة الأحزاب : ٢٣ .
أولا : لمحة عن سيدنا علي – رضي الله عنه –
- هو علي بن أبي طالب ، ابن عم رسول الله – صلى الله عليه وسلم –
وزوج ابنته السيدة فاطمة الزهراء – رضي الله عنها – وأحد السابقين الأولين إلى الإسلام • ومن العشرة المبشرين بالجنة .
قال له النبي – صلى الله عليه وسلم – : ” أما ترضى أن. تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ” رواه البخاري ومسلم ” •
ثانيا: ما الأسرار الخفية في بطولة علي – رضي الله عنه – ليلة الهجرة ؟
١- لم يكن فداء بالنفس فقط ••• بل فداء لمستقبل الأمة •
كثير من الناس يركزون على أن عليا نام في فراش النبي – صلى الله عليه وسلم – معرضا نفسه للخطر ، لكن القضية أكبر من ذلك •
فلو نجحت قريش في قتل النبي – صلى الله عليه وسلم – تلك الليلة لانقطع مشروع الدولة الإسلامية قبل أن يولد في المدينة
كان علي رضي الله عنه يحرس بوجوده على الفراش مستقبل
الرسالة كلها ، لا مجرد شخص واحد •
٢ – علي-رضي الله عنه – كان الشاهد الوحيد على آخر لحظات مكة •
من المعاني القيمة التي قل من يتحدث عنها أن عليا- رضي الله عنه – كان آخر من بقي في بيت النبوة بعد خروج الرسول – صلى الله عليه وسلم – كأن الله اختاره ليكون الحلقة الأخيرة بين
عهد الاستضعاف في مكة وعهد التمكين في المدينة •
٣ – اجتماع أعظم خلقين في ليلة واحدة •
في تلك الليلة اجتمع في علي – رضي الله عنه – خلقان نادرا ما يجتمعان :
أ- الشجاعة المطلقة : بالنوم في فراش النبي- صلى الله عليه وسلم – وهو محاصر بالسيوف •
ب- الأمانة المطلقة : برد ودائع أهل مكة والمشركين بعد ذلك •
فكثير من الناس قد يكون شجاعا لكنه ليس أمينا ، أو أمينا لكنه
يضعف عند الخطر • أما علي – رضي الله عنه – فجمع الفضيلتين معا •
٤- أخطر ما في الموقف الانتظار :
- القتل السريع أهون على النفس من انتظار القتل •
المشركون كانوا يحيطون بالدار طوال الليل يترقبون خروج النبي – صلى الله عليه وسلم – وعلي – رضي الله عنه – يعلم أنهم قد يقتحمون البيت في أي لحظة •
- إنها ساعات طويلة من الثبات النفسي المذهل ، وهي بطولة نفسية قبل أن تكون بطول جسدية •
٥ – أول نموذج عملي للشباب في الإسلام •
الهجرة لم يقم بها الشيوخ وحدهم •
الشخصيات المحورية فيها كانت شابة :
- علي بن أبي طالب – رضي الله عنه • عبدالله بن أبي بكر •
أسماء بنت أبي بكر • عامر بن فهيرة • عبد الله بن أريقط •
وكأن الرسالة. توحي باشتراك الشباب الشجاع في نهضة الأمة •
٦ – المعنى التربوي الأعظم •
أرى أن أعظم ما في القصة ليس النوم على الفراش ، وإنما أن
عليا لم يقل للنبي – صلى الله عليه وسلم – لماذا أنا ؟ ولم يسأل
عن الضمانات أو النتائج ، بل كانت الطاعة والثقة والمحبة كاملة
وقد ورد في السيرة أن النبي – صلى الله عليه وسلم – طمأنه بقوله : ” فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم ” سيرة ابن هشام ، حيث نقل خبر مبيت علي بن أبي طالب على فراش النبي – صلى الله عليه وسلم – وأشار إليه ابن العربي ، في كتابه أحكام القرآن . وهذه من أرقى صور اليقين •
٧- لم تكن بطولة علي- رضي الله عنه – أنه نام في فراش النبي- صلى الله عليه وسلم – بل كانت البطولة الحقيقية أنه نام مطمئنا ، بينما كانت سيوف كفار قريش مستيقظة حوله •
ثامنا : لماذا كانت هذه البطولة استثنائية ؟
١ – لأنه كان شابا صغير السن : كان في مقتبل العمر ، ومع ذلك تحمل مسئولية عظيمة •
٢ – لأنه واجه الموت طواعية : لم يجبره أحد على ذلك ، بل فعلها حبا لله ورسوله •
٣- لأنه جمع بين الشجاعة والأمانة : نام في الفراش ، ثم بقي
يرد الحقوق إلى أصحابها •
٤ – لأنه قدم مصلحة الدعوة على مصلحته الشخصية : وهذا من أعظم معاني الإيثار • قال تعالى : ” ويؤثرون على أنفسهم ولو
كان بهم خصاصة ” سورة الحشر : ٩
تاسعا : ما أثر قصة علي – رضي الله عنه – في الشباب ؟
أ – صناعة الشخصية الشجاعة : الشجاعة ليست تهورا ، بل ثبات على الحق عند الشدائد •
ب – ترسيخ قيمة التضحية : فلا نجاح لأمة دون شباب مستعدبن لبذل الجهد والوقت والعلم لخدمة دينهم وأوطانهم •
ج – تعزيز الأمانة : فالأمانة من أعظم أسباب نهضة الأمم •
د – اليقين بنصر الله – فقد أحاط المشركون بالبيت ، ومع ذلك
نجى الله تعالى نبيه وأتم أمره • قال تعالى : ” إلا تنصروه فقد نصره الله ” سورة التوبة: ٤٠ •
عاشرا : ما الدروس المستفاد من موقف علي – رضي الله عنه ؟
١- الإيمان الصادق يصنع المعجزات البشرية • ٢ – الشباب عماد التغيير والإصلاح . ٣- التضحية من أجل المبادئ طريق العظماء .
٤ – الأمانة لا تسقط حتى من الأعداء • ٥ – نصرة الحق تحتاج
إلى شجاعة عملية لا شعارات فقط • ٦- الثقة بالله أقوى من الخوف من البشر • ٧ – الصحابة رضوان الله عليهم كانوا مدرسة متكاملة في الأخلاق والبطولة •
- رؤية تربوية معاصرة : إن شباب اليوم لا يطلب منهم أن يناموا على فراش تحيط به السيوف ، ولكن يطلب منهم ما هو في. متناولهم : الصدق ، والأمانة ، والاجتهاد في طلب العلم ، وخدمة المجتمع ، والثبات على المبادئ .
- فمن اقتدى ” بعلي – رضي الله عنه – في أمانته وشجاعته
وإخلاصه ، كان لبنة صالحة في بناء الأمة •
خاتمة بلاغية مؤثرة :
- تمر القرون وتبقى بعض المواقف أكبر من الزمن ، ومن هذه المواقف ليلة نام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في فراش
رسول الله- صلى الله عليه وسلم – بينما كانت السيوف تترقب لحظة الانقضاض • - لم يكن يحمل درعا من حديد ، وإنما كان يحمل يقينا من الإيمان ، ولم يكن يستند إلى قوة البشر ، بل إلى قوة الثقة بالله .
- إنها رسالة خالدة لكل شباب الأمة : أن البطولة ليست في كترة
الكلام ، وإنما في صدق الموقف ، وأن الرجال تعرف عند الشدائد ، وأن من باع نفسه لله اشترى الخلود في صفحات التاريخ •
فرضي الله عن علي بن أبي طالب ، وعن أصحاب رسول الله أجمعين ، وجعل شباب أمتنا وارثين لشجاعتهم وأمانتهم وإخلاصهم • اللهم آمين يارب العالمين وصلاة وسلاما على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.








