b_halawany@hotmail.com
تقدم الأمم وتحضرها لا يقاس بما تمتلكه من طرق حديثة أو مدن ذكية أو مشروعات عملاقة فحسب، لكنه يقاس أولا بما تقدمه من معاملة إنسانية ومظاهر تكريم لهؤلاء الذين أفنوا حياتهم فى خدمتها وجاء الوقت الذى يتلقون فيه بعض ثمار جهودهم وكفاحهم قبل أن يلقوا ربهم.
كبار السن هؤلاء الذين شابت رؤوسهم بعد سنوات طويلة من العمل والكفاح والعطاء لا ينبغى أن نشعرهم أبدا بأنهم أصبحوا عبئا على الدولة والمجتمع.. بل على الجميع أن يتعامل معهم بإنسانية وكرم وعطاء حقيقى
فهم الذين وضعوا اللبنات الأولى لكل إنجاز نراه اليوم. ومن حقهم على المجتمع أن يجدوا في خريف العمر الرعاية والاحترام والطمأنينة، لا أن يشعروا بأن الزمن تجاوزهم أو أن المجتمع نسي فضلهم.
كبار السن ليسوا عبئا على الدولة ولا على المجتمع، بل هم أصحاب فضل يستحقون الأفضل.. فمن بينهم المعلم الذي علم أجيالا، والطبيب الذي عالج آلاف المرضى، والجندي الذي حمل السلاح دفاعا عن الوطن، والموظف والعامل والفلاح والمهندس الذين ساهموا، كل في موقعه، في بناء هذا الوطن. كما أن هناك ملايين الآباء والأمهات الذين تحملوا سنوات طويلة من الكفاح والتضحية حتى يربوا أبناءهم ويصنعوا مستقبلهم. فكيف يكون جزاء كل هذا العطاء عدم التقدير وقلة الرعاية وانعدام الوفاء كما يشعر الكثيرون من كبار السن؟!
من الإنصاف أن نقول إن الدولة المصرية أولت خلال السنوات الأخيرة اهتماما متزايدا بكبار السن، إدراكا منها لحقهم في حياة كريمة. فقد صدرت تشريعات تعزز حقوقهم، وتوسعت برامج الحماية الاجتماعية ورأينا بعض مظاهر الرحمة بهم فى التعامل مع مؤسسات الدولة..
لكن يجب ان نعترف فى شجاعة بأن كبار السن لا يزالون يتطلعون الى معاملة كريمة فى الحصول على الرعاية الصحية المناسبة لهم وتيسير حصولهم على حقوقهم فى مظلة التأمين الصحي وأن يجدوا الأولوية في كثير من الجهات الحكومية .. إلى جانب توفير وتطوير عدد من دور الرعاية وتحسين الخدمات المقدمة فيها. وهذه خطوات ينبغى أن تخطوها الدولة، لأنها تعكس توجها يحترم حقوق وإنسانية كبار السن أصحاب الفضل على جميع من هم فى موقع المسئولية الآن.
يجب ان نعترف أن واقع ما يقدم لكبار السن الآن يؤكد أن الطريق ما زال طويلا، وأن احتياجات كبار السن تتزايد عاما بعد عام مع زيادة متوسط العمر وارتفاع أعدادهم. فالكثير منهم يحتاج إلى خدمات صحية أكثر سرعة وسهولة، وإلى متابعة طبية منتظمة، وإلى وسائل انتقال ميسرة، وإلى بيئة عمرانية تراعي ظروفهم، وإلى خدمات حكومية يمكن الحصول عليها دون عناء الوقوف في طوابير طويلة أو التنقل بين المكاتب.
كما أن بعض كبار السن لا يعانون من المرض فقط، بل من الوحدة والعزلة بعد رحيل شريك الحياة أو انشغال الأبناء بظروف العمل. وهذه معاناة لا تقل قسوة عن المرض، وتستحق أن تجد اهتماما من المجتمع كله، من خلال التوسع في الأندية الاجتماعية ومراكز الأنشطة الثقافية والترفيهية، وتشجيع العمل التطوعي لزيارة المسنين ومساندتهم، حتى يظلوا جزءا فاعلا من المجتمع، لا يشعرون بأنهم أصبحوا خارج دائرة الاهتمام.
لعل من المفيد أن ننظر إلى تجارب الدول المتقدمة، التي لم تعتبر رعاية كبار السن عملا خيريا، بل مسئولية وطنية.. ففي اليابان تم تخصيص يوم وطني لتكريم كبار السن، وينظر إليهم باعتبارهم مصدرا للخبرة والحكمة، وتبذل جهود كبيرة لدمجهم في الحياة العامة.. وفي كثير من الدول الأوروبية، تتوافر خدمات الرعاية المنزلية لمن لا يستطيعون الانتقال، وتوجد وسائل نقل ومبان ومرافق عامة صممت لتناسب احتياجاتهم، إلى جانب نظم متطورة للتأمين والرعاية طويلة الأجل.
لكن الحقيقة التي ينبغي أن نعتز بها هي أن الإسلام سبق كل هذه النظم الحديثة بقرون طويلة.. فقد جعل توقير الكبير واحترامه عبادة يتقرب بها الإنسان إلى الله، وربط بين بر الوالدين وعبادة الخالق سبحانه وتعالى، فقال عز وجل: “وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا”، ثم بلغ هذا الإحسان ذروته بقوله سبحانه: “فلا تقل لهما أفٍّ ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا”. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا.” وهكذا جعل الإسلام احترام كبار السن خلقا أصيلا، لا يرتبط بقدرتهم على العمل أو الإنتاج، وإنما بكرامتهم الإنسانية وفضلهم.
من هنا فإن الاهتمام بكبار السن لا ينبغي أن يقتصر على تقديم المعاش أو العلاج، رغم أهميتهما، بل يجب أن يمتد إلى الحفاظ على مكانتهم داخل الأسرة والمجتمع.. فالأسرة المصرية كانت عبر تاريخها نموذجا في احترام الكبير والاستماع إلى رأيه، لكن ضغوط الحياة الحديثة بدأت تؤثر في هذه القيم، وهو ما يستدعي تجديد ثقافة الوفاء والعرفان بالجميل، وغرسها في نفوس الأبناء منذ الصغر، لأن المجتمع الذي يفقد احترامه لكباره يفقد جزءا مهما من أخلاقه وهويته.
لقد حان الوقت للتفكير في مزيد من المبادرات التي تمنح كبار السن شعورا حقيقيا بالتقدير، مثل التوسع في الخدمات المنزلية للحالات غير القادرة، وتخصيص مسارات سريعة لهم في جميع الجهات الحكومية، وزيادة الخصومات على وسائل النقل، وتشجيع المؤسسات الثقافية والرياضية على تقديم برامج تناسبهم، والاستفادة من خبراتهم في التعليم والتدريب والعمل التطوعي والاستشارات، فهم يملكون من التجارب ما لا يمكن تعويضه.
وختاما.. فإن كبار السن لا يطلبون الكثير من الحقوق والامتيازات المبالغ فيها.. إنهم يريدون احتراما يليق بعمر أفنوه في خدمة أسرهم ووطنهم، ورعاية تحفظ كرامتهم، ومجتمعا يعترف بفضلهم ولا ينساهم عندما تتراجع قدرتهم على الحركة والعمل. هذه ليست مطالب رفاهية، بل حقوق إنسانية وأخلاقية ودينية.
على الجميع أن يتذكر أن الأمم العظيمة لا تعرف فقط بما تبنيه من مصانع وجامعات ومدن، وإنما تعرف أيضا بوفائه










