نبيل عمر يكتب.. قاعة الثقة الغائبة


وصلتني رسالة إلكترونية ساخرة من قارئ يسأل: كيف تعرفت على الدولة التي لا وجود لها على الخريطة؟ وأين الطريق إليها؟ وهل سافرت؟

أجبته بطريقته: هذا من أسرار المهنة يجب ألا أبوح بها، والصحفي عليه أن يحافظ على مصادره ولا يكشفها إلا أمام قاضيه الطبيعي، ويمكن أن ترفع قضية، بشرط أن تكون صاحب مصلحة، أي أن تكون مواطنًا من هذه الدولة، وترى فيما كتبته عن متحفها الفريد – الذي يعرض أحداثًا لم تقع وكان يمكن أن تغيّر العالم – مساسًا بك.
وبعيدًا عن القارئ الساخر، تعالوا نكمل جولتنا في هذا المتحف العجيب، وكنّا في الأسبوع الماضي قد زرنا قاعة الطبقة الوسطى التي لم تكتمل، ورأينا كيف يؤثر ضعفها سلبًا على مجتمعها، فلا يعيش آمنًا مستقرًا. كنّا في الطابق الثاني، فلفتت نظرنا مصابيح نيون حمراء كأنها إشارات خطر، اتجهنا إليها، كانت منتصبة كالعادة على باب قاعة فارغة، مكتوب عليها: قاعة الثقة الغائبة.

اسم غريب وغير معقول، فالثقة ليست عقارًا ولا أرضًا ولا مصنعًا ولا جامعة كي تغيب أو تحضر، هي شيء لا يمكن رؤيته بالعين، وحين دخلنا القاعة أدركنا مغزى العنوان: الثقة تشبه الهواء الذي لا نراه، ويستحيل أن نعيش دونه، فإذا غاب توقفت الحياة تمامًا. هل الثقة مثل الهواء حقًا؟، تبدو مبالغة غير منطقية.
لكن التاريخ الحديث يعلّمنا درسًا في غاية الأهمية. يتصور البشر أن نجاح الأمم راجع إلى ما تملكه من ثروات وموارد وجيوش وتقنيات، وهي بالطبع عناصر جوهرية في صناعة التقدم، لكن ثمة سؤالا يحيط بها: لماذا تنجح مجتمعات في تحويل مواردها إلى نهضة وازدهار، بينما تعجز مجتمعات أخرى تملك العناصر نفسها؟

وقد أجاب علماء الاجتماع والمؤرخون الاقتصاديون بعبارة بسيطة للغاية: أن وراء المصانع والأسواق والجامعات والمؤسسات عنصرًا غير مرئي، أكثر عمقًا وأقل ظهورًا، هو ثقة أفراد المجتمع بعضهم ببعض، وقدرتهم على التعاون معًا دون أن تجمعهم معرفة شخصية. والحقيقة أن المجتمع الحديث قائم على هذه المعجزة الصغيرة.
في المجتمعات التقليدية كانت روابط القبيلة أو المعرفة الشخصية تكفي، أما في المدينة الحديثة فلا وجود لهذه الروابط، إنها تقوم على تعاون هائل بين غرباء، يؤدي كل منهم دوره بكفاءة لأنه يثق في الآخر وفي المؤسسة التي يعمل بها، بعد أن انتقلت الثقة من الأشخاص إلى القواعد، وقد رأى الدكتور أفنر جريف، أستاذ التاريخ الاقتصادي المؤسسي بجامعة ستانفورد – وصاحب الدراسات الشهيرة عن تجّار القرون الوسطى – أن هذه القدرة على التعاون بين الغرباء كانت أحد الأسرار الكبرى لظهور الأسواق والمؤسسات الحديثة وتطورها.
أي لا يمكن اختزال الثقة في أنها فقط «فضيلة أخلاقية جميلة»، أو أنها مبعث الصدق وحسن النية، إنها في رأيه «مورد اقتصادي وسياسي واجتماعي»، ويصفها البعض بأنها من أغلى ما تملكه الأمم.

وقد ذهب فرانسيس فوكوياما، في كتابه «الثقة: الفضائل الاجتماعية وصناعة الازدهار»، إلى أن المجتمعات ذات المستويات المرتفعة من الثقة قادرة على بناء مؤسسات اقتصادية أكبر وأكثر تعقيدًا وذات قدرات أعظم من المجتمعات منخفضة الثقة.

نعم، فالمال وحده لا يكفي، ولا المعرفة، ولا حتى القانون، لأن وجود حد أدنى من الثقة هو ما يجعل الناس مستعدين للتعامل مع المستقبل بوصفه وعدًا يمكن الرهان عليه.
ويبدو أن هذا هو سبب وجود هذه القاعة في المتحف الفريد، فهي تنبهنا إلى خطورة غياب الثقة. الفراغ في القاعة يشي بما لم يحدث: شركة لم تُؤسَّس، ومشروع لم يجد تمويلًا، وفكرة ظلت راكدة في جيب صاحبها، ومبادرة ماتت قبل أن ترى النور، عشرات من هذه الأعمال لم تشق طريقها إلى حياة الناس، والسبب أن المناخ اللازم لولادتها لم يكن متاحا، ولم تتوافر ثقة كافية تدفع الناس إلى التعاون والمخاطرة والاستثمار طويل المدى، ولن يستطيع مجتمع عاجز عن بناء الثقة أن يدرك حجم ما فاته: من موهبة اختارت الصمت، ومن مستثمر قرر الانتظار، ومن مخترع لم يجرّب ما توصل إليه..إلخ، هذا هو التاريخ الخفي لكل مجتمع لم ينجح.
ولو دققنا النظر في تاريخ العالم، ودرسنا دوله منذ بداية القرن العشرين، سنجد مجتمعات خسرت مواردها وبقيت قوية، وأخرى لم تخسر شيئًا وتراجعت إلى الخلف أو ظلت في مكانها محلّك سر، والفارق لم يكن فيما تملك، بل في «الرابط» الذي يلحم بين أفرادها بعضهم بعضًا. ومن هذا الرابط ظهر مصطلح «رأس المال الاجتماعي»، الذي صاغه عالم الاجتماع السياسي روبرت بوتنام، وإحدى تجلياته أن العلاقات المدنية والثقة المتبادلة عمودان أساسيان في فاعلية المؤسسات وقدرتها على العمل.

ولهذا وجدنا داخل القاعة بابًا جانبيًا يفضي إلى غرفة تنتصب فيها أربعة أعمدة: مكتوب على الأول «العدالة»، والثاني «استقرار القواعد»، والثالث «الوفاء بالوعد»، والرابع «تكافؤ الفرص»، وفي أسفلها: «الثقة لا تُبنى بالخطب».
عبارة حاسمة، فالثقة ليست قرارًا سياسيًا ولا شعارًا أخلاقيًا، إنها حصيلة خبرات متراكمة من تعاملات داخل المجتمع: أن صاحب الحق يحصل عليه، وأن القانون لا يميز بين الناس، وأن الاجتهاد يصل بصاحبه إلى النتيجة المنتظرة، وأن قواعد العمل والاستثمار لا تتغير دون أسباب صحيحة. وقد أكد باحثون كُثر أن الثقة تنمو عبر التكرار المتواصل للتجارب ذات النتائج الجيدة والعادلة.
ولا يعني هذا أن الثقة تُبنى حين يقتنع الناس بأن مجتمعهم مثالي، وإنما حين يخضعون جميعًا لقواعد تعمل بدقة والتزام وشفافية، أيًّا كانت النتيجة.

وخرجنا من القاعة الفارغة، ومصابيح النيون الحمراء ما زالت مضاءة خلفنا.

شاهد أيضاً

علاء ثابت يكتب .. الحق في معرفة الحقيقة

أترقب سرعة إصدار قانون تداول المعلومات، لأنه من أهم القوانين المنظمة للمجتمع، والذي يساعد في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *