د. حماده السيد علي يكتب.. رَغِيفُ الْعَيْشِ عَصَبُ أُمَّةٍ وَخَطٌّ أَحْمَرُ لَا يَقْبَلُ الْمُجَازَفَةَ



بَيْنَ الْحِسَابَاتِ الْبَارِدَةِ وَالنَّبْضِ الْحَيِّ فِي بَلَدٍ قَدْ يَخْتَلِفُ فِيهِ النَّاسُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، يَبْقَى هُنَاكَ خَطٌّ أَحْمَرُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الِاقْتِرَابُ مِنْهُ أَوِ الْمَسَاسُ بِهِ: رَغِيفُ الْعَيْشِ.
إِنَّ الْحَدِيثَ عَنْ تَقْلِيصِ وَزْنِ الرَّغِيفِ الْمُدَعَّمِ مِنَ الْوَزْنِ الْحَالِيِّ (90 جِرَامًا) إِلَى (70 جِرَامًا) – تَزَامُنًا مَعَ التَّحَوُّلِ الْمُرْتَقَبِ إِلَى مَنْظُومَةِ الدَّعْمِ النَّقْدِيِّ – لَيْسَ مُجَرَّدَ قَرَارٍ إِدَارِيٍّ عَابِرٍ، أَوْ رَقَمٍ جَافٍّ يُضَافُ إِلَى تَقَارِيرِ الْمِيزَانِيَّةِ الْحُكُومِيَّةِ.
إِنَّهُ، بِبَسَاطَةٍ شَدِيدَةٍ، مَسَاسٌ مُبَاشِرٌ بِأَبْسَطِ حُقُوقِ مَلَايِينِ الْمُوَاطِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يَعُدْ لَدَيْهِمْ مَا يَتَحَمَّلُونَ خَسَارَتَهُ.
قَبْلَ أَنْ تَتَّخِذُوا أَيَّ قَرَارٍ يَتَعَلَّقُ بِالْخُبْزِ، تَذَكَّرُوا أَنَّ الْمِصْرِيِّينَ لَمْ يُطْلِقُوا عَلَيْهِ يَوْمًا اسْمَ “خُبْزٍ”، بَلْ أَسْمَوْهُ “عَيْشًا”.. وَالْعَيْشُ فِي وِجْدَانِ هَذَا الشَّعْبِ هُوَ مَعْنَى الْحَيَاةِ كُلِّهَا.
فَالذَّاكِرَةُ الشَّعْبِيَّةُ مَعْجُونَةٌ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ؛ فَالطَّلَبُ وَالسَّعْيُ هُوَ “أَكْلُ عَيْشٍ”، وَالرِّزْقُ هُوَ “لُقْمَةُ عَيْشٍ”، وَالعِشْرَةُ الطَّيِّبَةُ هِيَ “عَيْشٌ وَمِلْحٌ”، وَمَنْ يَخُونُ الأَمَانَةَ يُقَالُ عَنْهُ “خَانَ العَيْشَ وَالمِلْحَ”، أَمَّا أَقْسَى صُوَرِ الظُّلْمِ فَهِيَ أَنْ يُقْطَعَ “عَيْشُ” إِنْسَانٍ.
وَمِنْ هُنَا، نُدْرِكُ أَنَّ الرَّغِيفَ فِي مِصْرَ لَيْسَ سِلْعَةً تَمْوِينِيَّةً، بَلْ هُوَ أَمْنٌ قَوْمِيٌّ خَالِصٌ، وَصِمَامُ أَمَانٍ لِلِاسْتِقْرَارِ الِاجْتِمَاعِيِّ.
وَفِي هَذَا السِّيَاقِ الْمَصِيرِيِّ، وَحِرْصًا عَلَى الْمُكَاشَفَةِ، عَلَّقَ مَعَالِي وَزِيرِ التَّمْوِينِ وَالتِّجَارَةِ الدَّاخِلِيَّةِ، الدُّكْتُورُ شَرِيفُ فَارُوقَ، مُوَضِّحًا الرُّؤْيَةَ الرَّسْمِيَّةَ لِلْوِزَارَةِ حِيَالَ هَذِهِ الْمَخَاوِفِ عَبْرَ نِقَاطٍ مَحْدُودَةٍ وَحَاسِمَةٍ.

  • مُحَارَبَةُ الْهَدْرُ مَالِيًّا: فَلَقَدْ بَلَغَ حَجْمُ الْفَسَادِ فِي مَنْظُومَةِ الْخُبْزِ الْمُدَعَّمِ حَالِيًّا نَحْوَ 30 مِلْيَارَ جُنَيْهٍ، وَكَانَ لَا بُدَّ مِنْ وَقْفَةٍ حَازِمَةٍ، لَيْسَ بِدَافِعِ التَّوْفِيرِ الْمَالِيِّ، بَلْ لِضَمَانِ وُصُولِ الدَّعْمِ إِلَى مُسْتَحِقِّيهِ الْفِعْلِيِّينَ.
  • حُرِّيَّةُ الِاخْتِيَارُ لِلْمُواطِنِ: الْمُواطِنُ الَّذِي سَيَحْصُلُ عَلَى الدَّعْمِ النَّقْدِيِّ لَنْ يَكُونَ مُجْبَرًا عَلَى شِرَاءِ رَغِيفٍ بِوَزْنِ 70 جِرَامًا فَقَطْ، بَلْ سَتَكُونُ لَهُ الْحُرِّيَّةُ الْكَامِلَةُ فِي شِرَاءِ أَوْزَانٍ أَكْبَرَ، حَيْثُ سَتَقُومُ الْوِزَارَةُ بِتَحْدِيدِ سِعْرٍ عَادِلٍ لِكُلِّ وَزْنٍ.
  • تَقْوِيمُ انْحِرَافُ المَخَابِزِ: حَيْثُ كَشَفَتِ الرَّقَابَةُ أَنَّ 60% مِنَ المَخَابِزِ لَا تَلْتَزِمُ بِالْوَزْنِ الْقَانُونِيِّ الرَّاهِنِ (90 جِرَامًا)، بَلْ تَقُومُ بِخَبْزِهِ عِنْدَ مُسْتَوَى 60 جِرَامًا؛ مِمَّا يَعْنِي أَنَّ هُنَاكَ دَعْمًا مَفْقُودًا هُوَ حَقٌّ لِلْمُوَاطِنِ يَذْهَبُ نَتِيجَةَ الْفَسَادِ إِلَى جُيُوبِ بَعْضِ أَصْحَابِ المَخَابِزِ.
  • إِعَادَةُ ضَخُّ المَوَارِدِ: تَسْتَمِرُّ الوِزَارَةُ فِي تَنْقِيَةِ بِطَاقَاتِ التَّمْوِينِ، حَيْثُ تَمَّ حَذْفُ 850 أَلْفَ مُوَاطِنٍ غَيْرِ مُسْتَحِقٍّ (مِمَّنْ يَمْتَلِكُونَ سَيَّارَاتٍ فَارِهَةً، أَوْ يَدْرُسُ أَوْلَادُهُمْ فِي مَدَارِسَ أَجْنَبِيَّةٍ، أَوْ لَدَيْهِمْ سِجِلَّاتٌ تِجَارِيَّةٌ، أَوْ يَسْكُنُونَ فِي كُمْبَاوُنْدَاتٍ)، مَعَ التَّأْكِيدِ عَلَى أَنَّ الوَفْرَ المَالِيَّ النَّاتِجَ عَنْ هَذَا الحَذْفِ لَنْ يَؤُولَ إِلَى خَزِينَةِ وَزَارَةِ المَالِيَّةِ، بَلْ سَيُعَادُ ضَخُّهُ بِالكَامِلِ لِتَعْزِيزِ دَعْمِ المُواطِنِ الأَكْثَرِ احْتِيَاجًا.
    وَرَغْمَ وَجَاهَةِ التَّوْضِيحِ الْحُكُومِيِّ وَأَهَمِّيَّةِ تَجْفِيفِ مَنَابِعِ الْفَسَادِ – وَهُوَ جُهْدٌ مَشْكُورٌ لِمَعَالِي الْوَزِيرِ – إِلَّا أَنَّ التَّخَوُّفَاتِ الشَّعْبِيَّةَ تَظَلُّ قَائِمَةً وَمَشْرُوعَةً.
    ثُمَّ إِنَّ اقْتِطَاعَ نَحْوِ 22% مِنْ وَزْنِ الرَّغِيفِ دُفْعَةً وَاحِدَةً هُوَ صَدْمَةٌ قَدْ لَا يَتَحَمَّلُهَا الْمُوَاطِنُ الْبَسِيطُ، خُصُوصًا فِي ظِلِّ التَّرَاجُعِ الرَّاهِنِ لِلْمَدَاخِيلِ وَالْقُدْرَةِ الشِّرَائِيَّةِ، وَالِارْتِفَاعِ الْمُتَلَاحِقِ لِلْأَسْعَارِ.
    وَمِنْ ثَمَّ تَبْقَى الحَقِيقَةُ الَّتِي لَا مِرَاءَ فِيهَا: أَنَّ الأَرْقَامَ فِي الجَدَاوِلِ الِاقْتِصَادِيَّةِ شَيْءٌ، وَمَا يَشْعُرُ بِهِ المُواطِنُ دَاخِلَ بَيْتِهِ شَيْءٌ آخَرُ.
    لِذَلِكَ، نَتَوَجَّهُ بِدَعْوَةٍ صَادِقَةٍ إِلَى صُنَّاعِ القَرَارِ أَنْ يَتَرَيَّثُوا كَثِيرًا، وَأَنْ يُجْرُوا دِرَاسَاتٍ مَيْدَانِيَّةً وَعِلْمِيَّةً مُسْتَفِيضَةً تَقِيسُ الأَثَرَ الِاجْتِمَاعِيَّ قَبْلَ الِاقْتِصَادِيِّ.
    وَأَقُولُهَا كَلِمَةً لِلَّهِ ثُمَّ لِلتَّارِيخِ: ابْحَثُوا عَنِ الْحُلُولِ لِلْهَدْرِ، وَحَارِبُوا الْفَسَادَ بِيَدٍ مِنْ حَدِيدٍ حَيْثُمَا وُجِدَ، وَلَكِنْ لَا تَجْعَلُوا رَغِيفَ الْفَقِيرِ هُوَ الْحَلْقَةَ الْأَسْهَلَ فِي مُعَادَلَةِ الْإِصْلَاحِ.
    فَرَغِيفُ العَيْشِ فِي مِصْرَ لَيْسَ مُجَرَّدَ جِرَامَاتٍ تُحْسَبُ، بَلْ هُوَ عَقْدٌ اجْتِمَاعِيٌّ تَارِيخِيٌّ، وَهُوَ فِي نِهَايَةِ المَطَافِ.. حَيَاةٌ.
  • الباحث في الشؤون السياسية

شاهد أيضاً

د. عامر عيد يكتب.. التغطية الإعلامية بين السعودية والإمارات .. العلاقات المتنافسة الدعوم المتناقضة والتعاون المستقبلي

من المرجح أن تحافظ السعودية والإمارات على قدر أكبر من الانضباط في رسائلهما الإعلامية العامة؛ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *