في ذلك البيت الصغير الذي تتكئ جدرانه على التعب، كان الأب هو العمود الذي لا ينحني، والظل الذي لا يغيب، والصوت الذي لا يعلو لكنه دائم الحضور في القلب.
كان يعود كل مساء محمّلًا بصمتٍ ثقيل، لا يشكو، لا يتحدث كثيرًا، لكن عينيه كانتا تحكيان حكاية عمرٍ كامل من العطاء. كنتُ أغار على خطوته من تراب الطريق، كأن الأرض لا تستحق أن تلمس أثره، وأحسد صمته الممتلئ طمأنينة، ذلك الصمت الذي يشبه صلاة خفية لا يعرفها إلا من أحب بصدق.
كنت أراه ولا أراه…
أراه في تفاصيل البيت، في الأمان الذي يسبق نومي، في الرغيف الذي لا يسأل عن مصدره، وفي الدفء الذي يصلني رغم قسوة الأيام. ولا أراه حين يذوب وحده في تعب الحياة، حين يختبئ ألمه خلف ابتسامة لا يريد لها أن تنكسر أمامنا.
كان أبي لا يمنحنا الكلمات كثيرًا، لكنه كان يمنحنا الحياة.
لم يكن شاعرًا، لكنه كتبنا فعلًا دون حبر.
لم يكن خطيبًا، لكنه أقنعنا أن الحب الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج.
كبرتُ، واكتشفت أني كلما ظننت أني أفهم العالم، أكتشف أني كنت أفهم أبي فقط. ذلك الرجل الذي كان يختصر كل المعاني في فعلٍ بسيط: أن يبقى واقفًا رغم كل ما ينهكه.
تمنيت لو أن العمر يُهدى…
لو أن السنوات يمكن أن تُصبّ في كفيه المتعبتين ليعرف كم كان حضوره كافيًا ليجعلنا نؤمن أن العالم لا يزال بخير.
وفي لحظة صدق مع النفس، لو سألوني: من هذا الشعاع الذي يضيء تفاصيلك؟
لقلت دون تردد: هذا أبي…
وهذه سيرتي الذاتية.










