ثمة قاعدة بل مسلمة مفادها أن الحقيقة تنتج الموقف، وليس الموقف يبحث عن حقيقة تؤيده، في ظل هذه المسلمة؛ لم يدفعني فقط تناول السياق التالي القضية المثارة لموقف محامية سوهاج ونقابة المحامين وما اثارته من جدل، بل ما دفعني لهذا التناول بشكل رئيسي: العديد من المؤسسات المعنية بالشأن الحقوقي ومنهجيتها العلمية البحثية في رصد الظواهر ودراستها مما لامسته في اطار عملي كباحث اجتماعي في سياق تقاطعاتي المهنية والبحثية في قضايا المرأة.
لقد أعادت قضية محامية سوهاج إلى الواجهة سؤالًا أكثر أهمية من القضية نفسها: كيف تُنتج المؤسسات الحقوقية والنسوية مواقفها؟ وهل تستند إلى منهج علمي في التحقق من الوقائع، أم أنها كثيرًا ما تنطلق من فرضيات مسبقة تبحث لها عن أدلة تؤكدها؟
لقد كشفت تطورات القضية أن بعض العناصر التي بُنيت عليها موجات واسعة من التعاطف أو الإدانة لم تكن بالدقة التي صُورت بها في البداية، وأن روايات متداولة احتاجت إلى مراجعة مع ظهور معلومات لاحقة، ولا يتعلق الأمر بهذه القضية وحدها، بل بنمط متكرر في إدارة عدد من القضايا المجتمعية، حيث يسبق إصدار البيانات أحيانًا اكتمال عملية التحقق.
تكمن المشكلة في أن بعض المؤسسات النسوية باتت تمارس ما يطلق عليه “التحيز التأكيدي”؛ أي الميل إلى استقبال المعلومات التي تدعم التصور المسبق، مع تقليل وزن المعلومات التي قد تعقد الصورة أو تناقضها، وبدلًا من أن تكون الحقيقة هي التي تنتج الموقف، يصبح الموقف هو الذي يبحث عن حقيقة تناسبه.
إن الدفاع عن حقوق المرأة قيمة إنسانية لا خلاف عليها، لكن الدفاع عن الحقوق لا يبرر التخلي عن قواعد البحث العلمي، فالمؤسسة الحقوقية التي تصدر أحكامًا أو تبني سردية مكتملة قبل اكتمال الأدلة، تتحول تدريجيًا من مؤسسة للرصد والتوثيق إلى فاعل أيديولوجي يسعى إلى الانتصار لروايته أكثر من سعيه إلى اكتشاف الحقيقة.
ولا يقتصر أثر ذلك على فقدان المصداقية، بل يمتد إلى الإضرار بالقضايا التي تدافع عنها هذه المؤسسات نفسها، فعندما يكتشف الرأي العام أن بعض الوقائع المتداولة كانت بحاجة إلى مزيد من التدقيق، تتراجع الثقة في الخطاب الحقوقي برمته، ويصبح من السهل التشكيك حتى في القضايا التي تستند إلى أدلة قوية.
إن المجتمع لا يحتاج إلى مؤسسات تسبق القضاء أو تحاكم الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بل يحتاج إلى مؤسسات تتعامل مع الوقائع بعقل الباحث لا بحماس الناشط، وتلتزم بمنهجية واضحة في جمع المعلومات، وتوثيقها، ومراجعتها، وتصحيحها عند ظهور معطيات جديدة.
فالعدالة لا تتحقق بالانحياز، والحقوق لا تُصان بالانتقائية، والحقيقة لا تعرف ذكرًا أو أنثى، إن الحقيقة هي القيمة التي ينبغي أن تنتصر لها جميع المؤسسات، لأنها الأساس الذي تُبنى عليه العدالة، وبغيرها يتحول العمل الحقوقي من مشروع للدفاع عن الإنسان إلى مشروع للدفاع عن سرديات قد لا تصمد أمام اختبار الواقع.











