لم تكن مشاركة ليبيا في مهرجان جرش للمونودراما في المملكة الأردنية الهاشمية مجرد حضور فني ضمن المسابقة الرسمية، بل كانت موقفًا إنسانيًا ورسالة مسرحية نابضة بالوجع والصدق، حملتها مسرحية “الجنين” إلى خشبة المسرح لتجعل من الصمت لغة، ومن الجسد قصيدة، ومن الإشارة خطابًا يتجاوز حدود الكلمات.
في هذا العمل الاستثنائي، قدّم الفنان حسين العبيدي أداءً مدهشًا أثبت من خلاله أن الممثل الحقيقي لا يحتاج إلى الكلمات كي يبلغ أعماق المتلقي، بل يكفيه أن يمتلك وعيًا بالجسد، وإحساسًا صادقًا، وقدرة عالية على توظيف لغة البانتومايم وسيمياء الإشارة، ذلك الفن المسرحي الصعب الذي لا ينجح فيه إلا من امتلك أدواته كاملة. لقد استطاع العبيدي أن ينقل مشاعر الألم والخوف والأمل والانكسار بلغة بصرية آسرة، فكانت كل حركة تحمل معنى، وكل نظرة تختزن حكاية، وكل صمت يصرخ بالحقيقة.
وجاءت إدارة العمل من حمزة القماطي لتمنح العرض تماسكه وانسيابيته، حيث حضرت الرؤية التنظيمية الواعية التي أسهمت في تقديم عرض متكامل يحترم تفاصيله الدقيقة، ويمنح كل عنصر مساحته الحقيقية في خدمة الفكرة والرسالة.
أما السينوغرافيا والإخراج، فقد حملا بصمة المخرج المبدع عواض الفيتوري، الذي قدّم رؤية مسرحية راقية اعتمدت على قوة الصورة، وبلاغة الصمت، وجمالية التكوين البصري. استطاع الفيتوري أن يصنع من الفراغ فضاءً مليئًا بالدلالات، وأن يحول الخشبة إلى مساحة إنسانية تنبض بالألم الفلسطيني، مقدمًا نموذجًا يؤكد أن المسرح الصامت قادر على أن يكون أكثر بلاغة من آلاف الكلمات عندما يمتلك المخرج رؤيته الفنية العميقة.
لقد حاكت مسرحية “الجنين” واقع غزة، ومعاناة أطفالها، وآلام الأبرياء في زمن أصبح فيه الصمت عنوانًا للمرحلة، والخذلان لغةً يتقنها العالم. فجاء العرض ليكسر هذا الصمت، وليقول إن المسرح سيبقى صوت الإنسان حين تعجز المنابر الأخرى عن قول الحقيقة. كانت مشاهد العرض انعكاسًا صادقًا لوجع الواقع، ونقلت بحرفية عالية نبض الوجدان الإنساني، من خلال توظيف ذكي ومؤثر لكل عناصر العرض المسرحي.
إن هذا العمل يؤكد أن الفن الحقيقي ليس للترفيه فحسب، بل هو موقف ورسالة ومسؤولية، وأن المسرح سيظل منبرًا للدفاع عن الإنسان، والانتصار للقضايا العادلة، وتجسيد الحقيقة بكل صدق وإخلاص. وهنا تبقى غزة حاضرة، وتبقى فلسطين حيّة في الضمير، ويظل المسرح شاهدًا على الألم، ورسولًا للأمل.
كل الشكر والتقدير للمخرج المبدع عواض الفيتوري على هذه الرؤية الإخراجية الراقية، وللفنان المتألق حسين العبيدي على أدائه الاستثنائي، والمبدع حمزة القماطي على إدارته المتميزة لهذا العمل.
لقد كنتم خير سفراء للفن الليبي، وقدمتم صورة مشرقة للمسرح الليبي في واحد من أهم المهرجانات العربية، مؤكدين أن ليبيا تزخر بمبدعين قادرين على أن يحملوا رسالة المسرح بكل صدق، وأن يجعلوا من الفن جسرًا للإنسانية، ومن الخشبة وطنًا للحقيقة.











