أعتقد أنها آفة مصرية خاصة ، لا تراها في بلاد غير بلادنا !!.
ما أن استوينا وانفقعت مرارتنا ، من كورس مدمني التحليلات وهواة الفتيا ومتعاطي مخدرات الاستنتاجات ، في موضوع المسيرة التي ضربت ميناء دمياط ، حتي تحولوا إلي حدوتة الزلزال ، بنفس البجاحة والتناحة والإصرار والادعاء !!.
فور أن أعلنت شركة امبري العالمية للأمن البحري خبر المسيرة ، حتي انبري نفر غير قليل يجزم بيقين يُحسد عليه ، بمعرفته بالسر الخفي وراء كل ماحدث !!.
وتنوعت الفتاوي اليقينية حتي بلغت حد المساخر والمهازل ، فمنهم من أقسم بأن المسيرة الملعونة جاءت من إسرائيل ، وأكد ذلك بصور مفبركة زعم أنها للمسيرة وهي تحلق في سماء ميناء دمياط متجهة صوب السفينة ، وليته ترك مساحة للاحتمالات ، ولكنه تكلم كما لو كان هو سائق المسيرة ، ومنهم من أكد أنها انطلقت من أعلي سطح بناية لخلية سودانية إرهابية مخربة ، ولست أدري لماذا سودانية بالتحديد ، وليست سورية أو ليبية أو حتي مصرية ، وبعض هؤلاء الخبراء اللوزعيين قال بأن المسيرة انطلقت من الميناء ذات نفسه !!.
ولم يترك أحد منهم الفرصة للدولة ، ولا للتحقيقات المخابرتية والأمنية والبحرية والجوية ، وتجاهل أن الأمر شديد التعقيد شديد الخطورة ؛ لأنه يتعلق بالأمن القومي المصري ، وليس بهذه البساطة ولعب العيال !!.
ثم فاجأنا زلزال قُبيّل الفجر ، وبعضنا نائم مثلي ، والكثيرون سهاري في ليل صيفي ، فهبت كتيبة الخبراء نفسها تحلل أسباب الزلزال ومكانه ومركزه ، وشطح خيال أحدهم ، فحلف برأس أبيه أنه ناتج عن انفجار نووي ، ولكنه للأمانة لم يجزم بذكر جهة التفجير ، إن كانت إيران أو إسرائيل ، متجاهلاً أن هناك علماء متخصصين في الزلازل ، وأن صاحب الفتوي في ذلك هو المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية ، وأنه علم يتعلق بالجغرافيا والجيولوجيا وليس مجرد فهلوة !!.
كان في قريتنا فلاح ظريف ، لا يقول لا أعرف أبدا ، يملك دائماً الاجابة عن كل سؤال مهما كان عويصاً ، فسأله ابنه ذات مساء ، وهما جالسان علي القهوة يشدان أنفاس الجوزة ، عن جماعة ( السيخ ) في الهند ، وكان بينهم وبين المسلمين مشاحنات عديدة ، فقال واثقاً – ودخان المعسل المحترق يتصاعد كثيفاً من أنفه وفمه – : ( أصل دول يابن الكلب ياجاهل ، جماعة بتعبد الحديد ) !!.
فياصديقي ، لا تكن مثل فلاح قريتنا هذا ، تفتي وتثرثر فيما لا تعرف ؛ حتي لاتصبح محلاً للسخرية والاستهزاء ، وتكلم فقط فيما تعرف ؛ ودع الأمور الفنية لأهل الاختصاص ، فلم يطلب أحد رأيك ، ولن نعتب عليك إذا لم تتكلم .. أرجوك !!.










