الأحد , 8 نوفمبر 2026

د. حَمَادَه السَّيِّد عَلِي يكتب.. بَيْنَ الرُّتْبَةِ وَالضَّمِيرِ.. حِينَ تَهْوِي الأَلْقَابُ


قَرَأْتُ مُؤَخَّرًا نَبَأَ ضَبْطِ هَيْئَةِ الرَّقَابَةِ الإِدَارِيَّةِ لِمَسْؤُولٍ يَنُوءُ بِرُتْبَةِ «لِوَاءٍ دُكْتُورٍ» فِي إِحْدَى مُحَافَظَاتِ الْوَجْهِ الْقِبْلِيِّ، مُتَلَبِّسًا بِقَضِيَّةِ فَسَادٍ وَرَشْوَةٍ؛ مِمَّا جَعَلَنِي أَقِفُ مَلِيًّا أَمَامَ هَذَا التَّنَاقُضِ الْمُمِضِّ، مُتَسَائِلًا فِي دَهْشَةٍ: كَيْفَ لِمَنْ جَمَعَ بَيْنَ شَرَفِ الرُّتْبَةِ وَرِفْعَةِ الْعِلْمِ أَنْ يَسْقُطَ هَذَا السُّقُوطَ الْمُرِيعَ؟.
وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ مَا اسْتَوْقَفَنِي لَمْ يَكُنِ النَّبَأَ فِي حَدِّ ذَاتِهِ، بَلْ ذَاكَ الصَّدَى الْمُمِضُّ الَّذِي يَتَرَدَّدُ عُقْبَ كُلِّ فَجِيعَةٍ مُشَابِهَةٍ: كَيْفَ لِمَنْ تَدَثَّرَ بِهَذِهِ الْأَلْقَابِ الرَّفِيعَةِ، وَتَقَلَّدَ أَرْفَعَ النَّيَاشِينِ، أَنْ يَسْقُطَ هَذَا السُّقُوطَ الْأَخْلَاقِيَّ الْمُرِيعَ؟.
إِنَّنَا، كَمُجْتَمَعٍ، نَقَعُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فِي وَهْمٍ مَفْهُومِيٍّ جَسِيمٍ؛ حِينَ نَرْبِطُ رَبْطًا شَرْطِيًّا زَائِفًا بَيْنَ بَرِيقِ الشَّهَادَاتِ وَنَبَاهَةِ الْأَخْلَاقِ، أَوْ نَفْتَرِضُ أَنَّ ارْتِقَاءَ الْمَنَاصِبِ دَلِيلٌ حَتْمِيٌّ عَلَى طَهَارَةِ الذِّمَّةِ وَنَزَاهَةِ السَّرِيرَةِ.
نَتَوَهَّمُ أَنَّ مَنْ بَلَغَ سَنَامَ الْمَرَاتِبِ الْعِلْمِيَّةِ، أَوْ أَوْجَ الرُّتَبِ التَّنْفِيذِيَّةِ، قَدْ حَازَ حَصَانَةً أَخْلَاقِيَّةً أَبَدِيَّةً؛ وَنَتَنَاسَى أَنَّ الضَّمِيرَ الْإِنْسَانِيَّ نَبْتٌ وِجْدَانِيٌّ لَا تَمْنَحُهُ شَهَادَةٌ أَنَادِيمِيَّةٌ، وَلَا تَصْنَعُهُ رُتْبَةٌ عَسْكَرِيَّةٌ، وَلَا يُوهَبُ فِي قَرَارِ تَعْيِينٍ.
إِنَّ دَرَجَةَ «الدُّكْتُورَاهِ» تُثْبِتُ أَنَّ صَاحِبَهَا قَدْ حَازَ حَصِيلَةً أَكَادِيمِيَّةً، لَكِنَّهَا لَا تَقْضِي لَهُ بِسُمُوِّ الخُلُقِ؛ وَ«الرُّتْبَةَ الرَّفِيعَةَ» تُؤَكِّدُ أَنَّهُ ارْتَقَى عَتَبَاتِ السُّلَّمِ الوَظِيفِيِّ، لَكِنَّهَا لَا تَكْفُلُ انْتِصَارَهُ عَلَى نَوَازِعِ الشَّهْوَةِ وَإِغْرَاءِ المَالِ وَالسُّلْطَةِ.
فَالْمَنْصِبُ لَيْسَ غَنِيمَةً تُجْنَى، وَلَا جَائِزَةً تُحْتَازُ، بَلْ هُوَ ابْتِلَاءٌ يَوْمِيٌّ مُتَجَدِّدٌ، وَمَسْؤُولِيَّةٌ جَسِيمَةٌ يَثْقُلُ بِهَا الْكَاهِلُ.
وَكُلَّمَا اتَّسَعَتْ رُقْعَةُ الصَّلَاحِيَّاتِ، اتَّسَعَتْ مَعَهَا مَكَامِنُ الْإِغْرَاءِ وَدَوَائِرُ السُّقُوطِ؛ وَهُنَا تَسْقُطُ الْأَلْقَابُ الرَّنَّانَةُ لِيَتَجَلَّى الْمَعْدِنُ الْإِنْسَانِيُّ عَلَى حَقِيقَتِهِ: بَيْنَ مَنْ يَرَى الْمَنْصِبَ أَمَانَةً يُسْأَلُ عَنْهَا يَوْمَ الدِّينِ، وَمَنْ يَرَاهُ غَنِيمَةً سَانِحَةً لِلْإِثْرَاءِ الْحَرَامِ.
قَدْ يَصْنَعُ التَّعْلِيمُ عَقْلًا رَاجِحًا، وَقَدْ يَهَبُ المَنْصِبُ نُفُوذًا سَاطِعًا، لَكِنَّ الَّذِي يَصْنَعُ الإِنْسَانَ حَقًّا هُوَ ضَمِيرُهُ الحَيُّ.
ذَاكَ الصَّوْتُ الْخَفِيُّ الَّذِي يَهْمِسُ فِي رَوْعِهِ فِي لَحَظَاتِ الْخَلْوَةِ، فَيَجْعَلُهُ – وَهُوَ فِي أَوْجِ الْقُدْرَةِ عَلَى ارْتِكَابِ الْخَطِيئَةِ – يَخْتَارُ بِطَوْعِهِ وَتَقْوَاهُ أَلَّا يَفْعَلَهَا.

(الْكَاتِبُ وَالْبَاحِثُ الْمُتَخَصِّصُ فِي الشُّؤُونِ السِّيَاسِيَّةِ)

شاهد أيضاً

د. عادل عامر يكتب.. جرائم الاشتباه في القانون الجنائي.. بين مقتضيات الأمن العام وقرينة البراءة وحرية الإنسان

تُعد جرائم الاشتباه من أكثر الموضوعات الجنائية إثارة للجدل؛ لأنها تقع عند نقطة التقاء حساسة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *