ركّب لي طبيب الأسنان ضِرسًا واحدًا في الفكّ الأسفل، لا يتجاوز حجمه بضعة مليمترات، فإذا بي أفاجأ بعد أيام أن لساني لم يعد يجيد نطق السين والثاء كما كان. حرفان أنطقهما منذ ما يزيد على سبعين عامًا دون أن أفكر فيهما لحظة واحدة، صارا فجأة يحتاجان إلى تركيز، وكأن اللسان نفسه قد فقد طريقه إلى مكان اعتاد أن يستقر فيه ملايين المرات.
ولمن لا يعرف: السين حرف يُنطق حين يمرّ الهواء عبر مجرى ضيق تصنعه ذروة اللسان قريبًا من مقدّم سقف الفم، خلف الأسنان مباشرة، بدقة تُقاس بأجزاء من المليمتر. أما الثاء، فيحتاج طرف اللسان أن يلامس أو يقترب من حافة الأسنان الأمامية العلوية والسفلية في آن. فإذا تغيّر ارتفاع ضرس واحد في الفك الأسفل، أو تغيّر إطباق الأسنان على بعضها بمقدار يسير، اختلّت الهندسة الدقيقة التي بُنيت عليها هذه الأصوات، فيضطر اللسان أن يتعلّم من جديد طريقًا كان قد حفظه عن ظهر قلب منذ الطفولة.
والأعجب من ذلك أن الأمر لا يتوقف عند الكلام. فالفكّان لا يلتقيان عبثًا حين نمضغ الطعام، بل يلتقيان وفق خارطة إطباق دقيقة، صمّمها الجسد على مدى سنوات، بحيث يستقرّ كل ضرس علوي في تجويفه المقابل من الفك السفلي، وتتوزّع قوة المضغ على جميع الأسنان بالتساوي. ضِرس واحد أعلى بمقدار غير محسوس يكفي لينقل عبء المضغ كله إلى جانب واحد من الفم، فيتعب الفك، ويلتهب اللثة أحيانًا، بل قد يمتد الأثر إلى الصداع وآلام الرقبة، لأن الجسد كله متصل بخيوط لا نراها.
وقادني هذا الحدث الصغير إلى تأمّل قرأته منذ سنوات ولم أعطه حقه من الدهشة يومها: أصابع القدمين. فكثيرون يظنون أنها من بقايا التطور، أعضاء صغيرة فقدت وظيفتها منذ أن انتصب الإنسان على قدميه وترك تسلّق الأشجار وراءه، وكأن الجسد احتفظ بها من باب الزيادة لا الحاجة. والحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك.
فالإبهام الكبير للقدم وحده يتحمّل نحو أربعين في المائة من وزن الجسم عند كل خطوة، وهو الذي يمنح الدفعة الأخيرة التي تنقلنا من خطوة إلى أخرى. أما الأصابع الأصغر، فتعمل كأذرع توازن مصغّرة، تستشعر طبيعة الأرض تحتها في أجزاء من الثانية، وتُرسل إشاراتها إلى الدماغ ليعدّل وضع الجسم كله قبل أن نسقط، دون أن نشعر بشيء من هذا التنسيق المعقّد. ومن فقد إصبعًا صغيرًا في القدم يعرف أن مشيته تتغيّر، وأن الحِمل ينتقل إلى الركبة ثم إلى الورك ثم إلى العمود الفقري، وكأن اختلالًا في نقطة واحدة يعيد كتابة الجسد كله من جديد.
وثمّة عضو ثالث، أعمق من أن نراه أو نلمسه، يكشف الدرس نفسه من زاوية أخرى: الحجاب الحاجز. تلك العضلة الرقيقة التي تفصل الصدر عن البطن لا تكتفي بوظيفتها الأولى في التنفس، بل تتحول عند كل شهيق وزفير إلى ركيزة خفية للجسد كله. فهي تعمل مع عضلات البطن العميقة وقاع الحوض والعمود الفقري كوحدة واحدة، تصنع ما يشبه “اسطوانة” من الضغط الداخلي تُثبّت الجذع وتحمي الظهر أثناء أبسط الحركات، من الانحناء إلى حمل شيء ثقيل. ومن يعاني ضعفًا أو خللًا في هذا التناغم يشكو غالبًا آلامًا في أسفل الظهر لا يجد لها سببًا ظاهرًا، لأن العلة ليست في العمود الفقري نفسه، بل في عضلة تنفّس بعيدة عنه في الظاهر، متصلة به في الجوهر.
والأعجب أن هذا الحجاب نفسه هو الذي يمنح الصوت قوته وثباته. فالممثل والمغنّي والخطيب لا يتعلّمون “التنفس من الحجاب” من قبيل الترف الفني، بل لأن العمود الهوائي الذي يخرج منه الصوت يحتاج إلى ضغط منتظم لا توفره الرئتان وحدهما. وهكذا يلتقي الحجاب الحاجز، في طرف بعيد من الجسد، بالضرس الذي بدأنا به الحديث: كلاهما يشارك، من موقعه الخفي، في تشكيل الصوت الذي نظنه يخرج من الفم واللسان وحدهما.
هذه هي حقيقة الجسد الإنساني التي لا نلتفت إليها إلا حين تتعطّل: أنه ليس مجموعة أعضاء متجاورة، بل نظام واحد شديد الترابط، دقيق إلى حدّ يجعل التغيير البسيط في ضرس أو إصبع أو نَفَس يتردّد صداه في مواضع بعيدة تبدو للوهلة الأولى غير ذات صلة. “لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم”، ليست عبارة شاعرية فحسب، بل وصف هندسي دقيق لجسدٍ صُمم بحيث يعمل كل جزء فيه في خدمة الكل، ولا يستقلّ عضو فيه عن باقي الأعضاء.
ولعل في هذا درسًا أوسع من الطب وعلم التشريح. فنحن، في حياتنا وعلاقاتنا ومجتمعاتنا، نظن أحيانًا أن تفصيلًا صغيرًا لا يستحق الانتباه، وأن خللًا يسيرًا هنا لن يمسّ الصورة الكبرى هناك. لكن الجسد يعلّمنا أن التوازن الحقيقي، في الإنسان كما في الأمم، لا يُصان بإصلاح الأجزاء الكبيرة وحدها، بل بإدراك أن أصغر التفاصيل، ضرسًا كان أو إصبعًا أو نَفَسًا، حرفًا كان أو موقفًا، قد يكون هو بالذات ما يحفظ الكلّ متماسكًا، أو ما يبدأ به الاختلال حين نهمله.










