الأربعاء , 21 أكتوبر 2026

د. شمس راغب تكتب.. لا تسقط الحضارة بالرصاص بل بتشويه سلم القيم

المقدمة : لا تسقط الحضارة في يوم واحد ، ولا تبدأ نهايتها دائما بصوت المدافع ؛ فقط تبدأ حين تختل معايير المجتمع ، فيصبح البذخ فضيلة ، والإسفاف حرية ، والقدوة من يملك المال لا من يملك العلم ، ونحتفي بمن يفسد الذوق ويهمش ما يبني الإنسان •

  • ومن هنا تأتي خطورة بعض المظاهر التي نشهدها في بعض الاحتفالات والفعاليات الترفيهية ؛ فالمشكلة ليست في الفرح والترفيه في ذاتهما ، وإنما في المحتوى والوسيلة والآثار الأخلاقية والاجتماعية ، وإنما في تحويل الترفيه إلى استعراض
    للبذخ والتجاوز وإهدار القيم •

قال تعالى : ” وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليهم القول فدمرناها تدميرا ” سورةالإسراء : ١٦

فالآية الكريمة لا تذم الغني ، وإنما تحذر من الترف حين يتحول
إلى فسق واستعلاء وانفلات من القيم الخلقية والدينية •

المحور الأول : عرض المشكلة – حين يصبح الترف بديلا عن القيمة•

  • تتمثل المشكلة في بعض الحفلات الباهظة التي تدفع فيها مبالغ ضخمة ، بينما يعاني كثير من الناس من أعباء المعيشة ، فضلا عما قد يصاحب بعض هذه الفعاليات من مظاهر تخالف الحياء والآداب العامة والقيم الدينية •
  • والإسلام لا يحرم الفرح ولا الترويح المباح ، ولكنه يرفض أن
    يتحول الترف إلى إسراف ، أو يصبح الفن ذريعة للانحراف ، أو
    أن تستغل الشهرة والمال في صناعة قدوة مضللة للشباب •

قال تعالى : ” ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ” سورة الإسراء : ٢٦ ، ٢٧ • وقال سبحانه وتعالى : ” إن الله لا يحب المسرفين ” سورة الأعراف : ٣١ •

  • والخطر الأكبر ليس في حفلة تنتهي بانتهاء ليلتها ، وإنما في القيمة التي تتركها وراءها : ماذا يتعلم الأطفال ؟ وماذا يرى الشباب ؟ ومن يصبح قدوته ؟ وهل أصبح المال والشهرة معيار النجاح ، بينما يهمش المعلم والطبيب والعالم والمبدعين في كافة المجالات ؟
  • وهنا يمكن أن نطرح سؤالا تربويا شديد الدلالة :

إذا أردت أن تهين عالما أو طبيبا أو معلما ، فلا تحتاج إلى شتمه ؛ يكفي أن تجعل المجتمع يحتفي بمن لا يقدم قيمة ، ويمنحه من الشهرة والمال والتقدير أضعاف أضعاف ما يمنحه لصاحب العلم والرسالة •

  • وهذه ليست إهانة لشخص بعينه ، وإنما اختلال في ميزان التقدير الاجتماعي •

المحور الثاني : العلاج الأمثل – إعادة بناء سلم القيم •

  • العلاج ليس بمنع الفرح ، وإنما بإعادة الفرح إلى دائرة الحلال
    والجمال والمسئوولية ، وذلك من خلال :
    ١ – إعادة الاعتبار للعلم والعلماء والمبدعين ، وجعلهم نماذج حقيقية
    أمام الشباب •
    ٢ – ترشيد الإنفاق ومحاربة الإسراف والتبذير ، خصوصا حين
    يتحول الترف إلى استفزاز اجتماعي في مجتمع يعاني فيه كثير
    من الناس من ضغوط الحياة •

٣ – إقامة ترفيه راق يجمع بين المتعة والقيمة ، ويحترم الدين
والحياء والذوق العام •

٤ – قيام الأسرة والمدرسة والإعلام بدورهم في صناعة القدوة ؛
لأن الفراغ القيمي لا يبقى فراغا ، وإنما تملؤه نماذج أخرى •

٥ – تعليم الشباب أن الحرية ليست انفلاتا ، وأن الشهرة ليست
قيمة في ذاتها ، وأن المال وسيلة وليس معيارا للفضل •

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” كلكم راع وكلكم مسئوول عن رعيته ” متفق عليه •

  • ما مسئوولية الفنان بوصفه قدوة للشباب ؟

الفنان ليس مجرد صاحب صوت أو صورة على المسرح ؛ فهو قدوة يراه الشباب في مظهره ، وملبسه ، وكلماته ، وسلوكه ، والمحتوى الذي يقدمه • وكلما اتسعت شهرته ، اتسعت معها مسئووليته •

  • ولهذا ينبغي أن يسأل الفنان نفسه بعد كل حفل : ” ماذا تركت في نفوس الشباب ؟ وما القيمة التي أضفتها إلى وطني ؟ وهل
    قدمت فنا يرفع الذوق ، أم مجرد ساعات من الصخب تنتهي بانتهاء الحفل ؟
    •! فالفن الراقي لا. يكتفي بأن يمتع ، وإنما يترك أثرا طيبا ويبني ذوقا رفيعا ، ويهذب وجدانا ، ويزرع قيمة ، ويحفظ للإنسان كرامته • قال تعالى : ” وقفوهم إنهم مسئولون ” سورة الصافات :٢٤
  • قال المفسرون عن معنى الآية باختصار : ” أوقفوهم قبل وصولهم
    إلى الجحيم ؛ لأنهم مسؤولون عن أعمالهم وأقوالهم التي صدرت منهم في الدنيا ” •
  • فكل صاحب تأثير مسؤول عن أثره ، وكل صاحب موهبة مؤتمن على رسالته ، وكل من أصبح قدوة للشباب ينبغي أن
    يدرك جيدا أن الشهرة ليست امتيازا بل مسئولية ، وإنما أمانة
    يسأل عنها صاحبها • عن أبي برزة الأسلمي قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ” لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع
    عن عمره فيما أفناه ، وعن علمه فيم فعل ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ، وعن جسمه فيما أبلاه ” رواه الترمذي ، حديث حسن صحيح •

خاتمة : إن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس أن يختلف الناس في أذواقهم ، وإنما أن يتفقوا على قلب موازين القيم ؛ فيصبح الصخب نجاحا ، والبذخ مكانه ، والشهرة علما ، بينما يقف صاحب. العلم في الظل •

  • الحضارة لاتبنى بكثرة الأبراج ، ولا بارتفاع أسعار التذاكر ، وإنما تبنى بالإنسان ، والعلم ، والأخلاق ، والحياء ، والقدوة الصالحة •
  • فلنختلف في الفن ، ولنختلف في الترفيه ، لكن لا ينبغي أن نختلف على قيمة الإنسان •
  • فإذا أردنا أن نحمي مجتمعنا ، فعلينا ألا نسأل فقط : ماذا
    يشاهد أبناؤنا ؟ بل نسأل السؤال الأعمق : ماذا يتعلمون من الذي يشاهدونه ؟
  • فالحضارة قد لا تسقط حين نطلق عليها الرصاصات ، وإنما
    قد تبدأ في السقوط حين يطلق الرصاص على سلم القيم نفسه •

” ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب “

  • الحمدلله رب العالمين الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله وصلاة وسلاما على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه •
  • https://alekhbarya.net/?p=380769

شاهد أيضاً

وزير الأوقاف ومفتي الجمهورية يطمئنان على أطفال «57357» بالإسماعيلية

كتب عادل احمد بدعوة كريمة من اللواء أركان حرب نبيل السيد حسب الله، محافظ الإسماعيلية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *