فى الفيزياء قانون لا يرحم أحدًا: كل نظام مُغلق، مهما بلغت دقته وجماله فى لحظة ما، يتجه حتمًا نحو مزيد من الفوضى. يسمّيه العلماء «الأنتروبيا»، ويعنون به أن الطاقة، إذا تُركت لشأنها، تتسرّب وتتبعثر ولا تعود أبدًا تتجمّع من تلقاء نفسها. قطرة الحبر فى كأس الماء تنتشر ولا ترتد، والحرارة تهرب من الجسم الساخن إلى البارد، ولا يحدث العكس أبدًا. هذا ليس عيبًا فى الكون، بل هو قانونه الصارم: كل ما هو معزول عن مصدر متجدد للطاقة، مصيره التفكك.
وما يصدق على الذرّات يصدق، بمكرٍ أشد، على الأمم.
فالمؤسسة التى تُغلق أبوابها على نفسها، والنظام الذى يكتفى بذاكرته القديمة ويرفض أن يستورد فكرًا جديدًا، والخطاب الذى يخاف من السؤال أكثر مما يخاف من الجهل، كلها أنظمة تسير، بلا ضجيج، نحو أنتروبيتها الخاصة. لا ينهار شىء فى يوم واحد. الانحلال الحضارى لا يقرع جرسًا يُنذر به، بل يتسلل كما تتسلل الرطوبة إلى الجدار: غير مرئى، بطىء، متراكم، حتى تأتى اللحظة التى يسقط فيها الجدار كله دفعة واحدة، فيتساءل الجميع: كيف حدث هذا فجأة؟ والحقيقة أنه لم يحدث فجأة قط. كان يحدث طوال الوقت، فى صمت.
وهنا يكمن الفارق الجوهرى بين نوعين من الأنظمة: النظام المغلق، والنظام المفتوح.
النظام المغلق هو الذى يقتات على نفسه: يكرر خطابه، ويعيد إنتاج عقلياته، ويتعامل مع النقد كتهديد لا كطاقة متجددة. هذا النظام محكوم عليه، بقوة القانون الفيزيائى ذاته، بأن يفقد نسقه الداخلى تدريجيًا، مهما بدا فى الظاهر متماسكًا. أما النظام المفتوح فهو الذى يسمح لنفسه، رغم الألم أحيانًا، أن يستقبل طاقة من خارجه: فكرًا مختلفًا، سؤالًا مزعجًا، جيلًا جديدًا لا يرث المسلّمات كما وَرِثها آباؤه بل يعيد فحصها. هذا النظام وحده هو القادر على تأجيل الانحلال، لا لأنه استثناء من القانون، بل لأنه فهم القانون: الحياة نفسها، كما بيّن أحد كبار الفيزيائيين فى القرن الماضى، ليست خرقًا لقانون الأنتروبيا، بل هى مقاومة مؤقتة له، تستمد بقاءها من انفتاحها الدائم على تبادل الطاقة مع محيطها. اللحظة التى تُغلق فيها الكائنات الحية منافذها، تبدأ فى الموت. وكذلك الأمم.
والأخطر من الانغلاق الصريح هو الإصلاح الذى يخدع نفسه: أن نعيد ترتيب الأثاث فى البيت المتصدّع دون أن نُرمّم الأساس. أن نستبدل شعارًا بشعار، ومنصبًا بمنصب، ونسمّى ذلك تجديدًا، بينما التصدّع الحقيقى- فى جودة العقول التى نُخرّجها، وفى مساحة السؤال المسموح به، وفى احترام الاختلاف بوصفه ثروة لا خطيئة- يتّسع تحت السطح. هذا النوع من «الإصلاح» لا يوقف الأنتروبيا، بل يمنحها قناعًا مؤقتًا، ويؤجل الفاتورة إلى جيل لم يشارك فى كتابتها.
فهل الانحلال إذن قدر محتوم لا مفر منه؟ هنا بالذات يكمن الأمل، لا اليأس. فالقانون الفيزيائى يحكم الأنظمة المعزولة، لا المفتوحة. وحضارة تختار أن تبقى نظامًا مفتوحًا- تستورد المعرفة ولا تخشاها، وتُصدّر الفكر ولا تحتكره، وتربّى أبناءها على أن يسألوا لا أن يُردّدوا فحسب- ليست محكومة عليها بالمصير نفسه الذى يواجهه كل ما ينغلق على ذاته.
إننى أنظر إلى كل نسق دينى اختار أن يُقفل نصّه على قراءة واحدة، ويُعامل كل تأويل جديد بوصفه خطيئة وكفرًا لا اجتهادًا.
تلك الأنساق، التى تشكّلت نصوصها فى زمن ما قبل الانفتاح العلمى والثقافى الذى أنتجته عقول البشر لاحقًا، تواجه اليوم خيارًا لا ثالث له: إما أن تسمح للفهم بأن يتجدّد كما تتجدّد الحياة نفسها، أو أن تتحصّن خلف حرفية النص وتترك الفجوة بينها وبين العالم تتّسع جيلًا بعد جيل، حتى تصبح غريبة عن أبنائها قبل أن تصبح غريبة عن خصومها، وقد تؤدى إلى انهيار الأديان أو التطرف فيها فى آنٍ واحد.
وانظر، من زاوية أخرى، إلى النظم السياسية التى راهنت على الإغلاق التام: الاتحاد السوفيتى، بكل ما امتلك من قوة عسكرية وصلابة أيديولوجية ظاهرية، انهار لا لأن أحدًا غزاه من الخارج، بل لأنه أغلق نوافذه على السؤال حتى اختنق من الداخل. لم يسقط فى يوم، كما لم يسقط أى جدار فى التاريخ فى يوم؛ كان يتآكل فى صمت عقودًا، إلى أن جاءت اللحظة التى بدت فيها «المفاجأة» حتمية طال انتظارها.
غير أن الانفتاح نفسه، إن فُهم على أنه طاقة مطلقة بلا ضابط، يحمل فخّه الخاص. فالحرية التى تُترك بلا حدٍّ أدنى من القيود التى تحمى الأقليات والفئات المهمّشة وتضبط العدالة، لا تنتج بالضرورة نظامًا أكثر حياة، بل قد تنتج فوضى تتفجّر فيها كل الطاقات المكبوتة دفعة واحدة، فتُدمّر النظام بدل أن تجدّده.
فكما أن الجدار المغلق ينهار من فرط التماسك الزائف، فإن البيت بلا جدران على الإطلاق ينهار من فرط التشتت.
الحكمة إذن ليست فى الانغلاق ولا فى الانفلات، بل فى ذلك التوازن الدقيق الذى تحدّثت عنه الفيزياء ذاتها: نظام مفتوح بما يكفى ليتنفس، ومحكوم بما يكفى ليحافظ على شكله وهو يتنفس.
الأنتروبيا هنا ليست نبوءة قدرية، بل هى إنذار: علامة تستدعى فعلًا إراديًا متجددًا، لا استسلامًا سلبيًا لحكم لا يُرد.
فالسؤال الذى يستحق أن نطرحه على أنفسنا، أفرادًا ومؤسسات وأديانًا وأوطانًا، ليس: هل نحن متماسكون اليوم؟ بل: هل مازلنا نظامًا يتنفس، أم أننا، دون أن ندرى، أغلقنا نوافذ كانت تمدّنا بالطاقة التى تؤجل عنا حتمية التفكك؟
أخشى أن مجرد فتح مثل هذه المواضيع التى تتكلم عن خبرة مستمدة من الفيزياء والتاريخ، من العلم والتجربة، قد لا يُسمح به، بل قد يصبح فى بعض المجتمعات التى تغلق عيونها عن الحقيقة، تهديدًا وجوديًا لمسار الأنتروبيا، مع أن المقصود بها ومنها هو استخدام الطاقة للبناء والتطوير والبقاء والحياة، لأجيال لم تشارك فى خلق ما هى فيه ولكنها ستتحمل عواقبه.
الحمد لله أننا مجتمع يفهم الأنتروبيا ويتجنبها.










