ما أن صرح وزير المياه والطاقة الأثيوبي من أن تدفق مياه النيل إلي دولتيّ المصب – مصر والسودان – سوف يكون تحت سيطرة بلاده ، وأنهم يفكرون في بناء ثلاثة سدود جديدة علي النيل الأزرق ، ورغم أن مصر ردت بقوة وحسم ، بأن هذه مجرد أوهام وخيالات مريضة ، وأنها تصريحات موجهة إلي الداخل الإثيوبي ، وأنها فقط للاستهلاك المحلي ، إلا أن كتائب الندابات المستأجرة عندنا ، وفي الخارج ، راحت تشق الجيوب وتلطم الخدود ، وتعزف لحنها الجنائزي ، الذي ما انفكت تردده منذ أربعة عشر عاماً ، حول ضياع نهرنا الخالد ، وعطش شعب مصر ، وجفاف الأرض ، وهلاك الحرث والنسل ، وشراء الماء من إثيوبيا ، وعليه العوض ومنه العوض !!.
وهذه صناعة الهلع التي يجيدونها ، بأن يجعلوا من الحدث العابر ظاهرة ، ومن الهفوة جريمة ، ومن رنة الإبرة زلزالاً ، ومن الخطأ الشخصي دمار الأمة ، ومن طابور العيش مظاهرة وثورة تطالب بإسقاط النظام !!.
ورغم أن لي قناعاتي الشخصية ، التي امتزجت فيها العاطفة الوطنية ، بالرومانسية ، بالصوفية ، بالأمل في الله ، بتصديق التاريخ ، من أن هذا النيل مصري الهوي والهوية ، وأن الله خلقه من أجل مصر ، وأنه مكتوب في اللوح المحفوظ أن لايستفيد منه سوانا ، مهما شيدوا عليه من سدود ، وأنه صاحب أول ( جواز سفر مصري ) في التاريخ ، وأنه يسافر ستة آلاف كيلو متراً يمر خلالها علي أقوام عمالقة وأقزام ، ويعبر غابات ومستنقعات وبحيرات وصحاري ، ويشق جبالاً ، حتي يصل إلي مصر هادئ الطباع سلساً طيعاً عذباً رقراقاً سلسبيلا !!.
رغم تلك القناعات الراسخة ، إلا أنني أؤكد علي أن :
مصر اليوم ليست مصر في عام ٢٠١١ م ؛ فهي اليوم أقوي ، وأشد تماسكاً ، وأصلب عوداً ، وقادرة !!.
لاتوجد مهام لرئيس الدولة المصرية أبدي من : الحفاظ علي النيل ، وتماسك الجبهة الداخلية ( الوحدة الوطنية ) ، وكل مادون ذلك من ملفات تخضع لتعليماته وتوجيهاته ، وتتولاها الأجهزة المتخصصة والوزارات !!.
العالم تغير ، وموازين القوي في العالم أعيد تشكيلها وصياغتها !!.
ترفض مصر ( عملياً ) فكرة النهر مقابل البحر !!.
اجتازت مصر عثرات كثيرة بحنكة وحكمة وصلابة ، كان آخرها رفض تهجير الأخوة الفلسطينيين إلي سيناء ، رغم الضغوط الرهيبة التي مورست عليها من قبل أعتي القوي في العالم !!.
لدينا مدرستان مشهود لهما بالكفاءة والريادة والعراقة والخبرة : مدرسة الدبلوماسية ، ومدرسة الريّ المصريتان ، فإذا ما أضفنا إليهما جهاز المخابرات الكفؤ العتيد ، والجيش الوطني العظيم ، خلصنا إلي حالة من الطمأنينة والثقة ، تفسد عويل الندابات ، ومُدمني التباكي ، ومُحترفي صناعة الهلع ، وأيقنا أن هذا النيل كان ، وسوف يبقي ، مصرياً ، رغم أنف الحانقين والكائدين والمتآمرين !!.










