ينقسم سوق الإسكان في مصر حاليا إلى مسارين، ففي حين تفتح برامج الإيجار والإيجار المنتهي بالتملك المدعومة من الدولة بدائل للمشترين الذين أخرجهم ارتفاع الأسعار من سوق التمليك، يظل المطورون العقاريون في القطاع الخاص متمسكين بنموذج البيع قبل التنفيذ (البيع على الخارطة) الحصري للتمليك، والذي تتطرق إليه هذه الآليات الجديدة بالكاد.
تأتي هذه التحركات في وقت يستمر فيه تآكل القدرة الشرائية. واستجابة لذلك، فتحت الهيئة العامة للرقابة المالية الباب أمام التمويل التشاركي لمساعدة جهات التمويل على خدمة المشترين المستبعدين من سوق الوحدات عالية القيمة، وفي الوقت نفسه، تطرح وزارة الإسكان وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة وحدات للإيجار والإيجار المنتهي بالتملك لمتوسطي ومحدودي الدخل. والسؤال الأهم الآن هو ما إذا كانت هذه الحلول التمويلية قادرة على الوصول إلى المشترين قبل أن تواصل مبيعات المطورين تراجعها.
هناك فجوة قدرة شرائية حقيقية تضرب السوق. إذ قال كاتسبي لانجر-باجيت، رئيس سفلز مصر للاستشارات العقارية لنشرة “إنتربرايز” الاقتصادية، إن ما يقرب من 50% من المشاركين في استطلاع المستهلكين لعام 2026 الذي أجرته الشركة، والذين يصل دخلهم الشهري إلى 200 ألف جنيه للفرد، أشاروا إلى أن ميزانياتهم الشرائية تقف عند سقف 10 ملايين جنيه، في حين أنهم يفضلون وحدات الـ 3 غرف نوم، وهو مزيج يحد بشدة من خياراتهم لدى كبار المطورين العقاريين.
وتتسع هذه الفجوة أكثر بين المشترين الأصغر سنا؛ إذ تميل الفئة العمرية من 25 إلى 34 عاما إلى استهداف أنواع عقارات ومستويات أسعار تتجاوز ما يمكن أن تدعمه مستويات دخولهم الحالية. ولا يقتصر عدم التوافق هذا على العقارات السكنية فحسب، بل يظهر في قطاع المكاتب الإدارية فجوة مماثلة: فحتى المشترين الذين تتجاوز دخولهم 300 ألف جنيه شهريا لديهم رغبة في الإنفاق تقف دون أسعار مكاتب الفئة الأولى (Grade A)، وهو ما يعتبره لانجر-باجيت دليلا على انفصال أوسع بين ميزانيات المشترين وأسعار السوق.
الأرقام تتحدث عن نفسها: هذه الضغوط الشرائية، إضافة إلى نظرة المشترين للعقار كأصل مزدوج المنفعة (شخصي واستثماري طويل الأجل)، تفسر بوضوح تراجع عدد العملاء الجدد بنشاط التمويل العقاري بنسبة تجاوزت 21% على أساس سنوي في الربع الأول من عام 2026، حتى مع ارتفاع قيمة التمويلات الممنوحة بأكثر من 17.5% خلال الفترة ذاتها من العام الماضي. وكان إبراهيم المسيري، الرئيس التنفيذي لشركة أبو سومة للتنمية السياحية، قد صرح لإنتربرايز في وقت سابق بأن الوحدات أصبحت أغلى، والعملاء القادرون على شرائها أصبحوا أقل.
آليات جديدة على الأرض
الإيجار والإيجار المنتهي بالتملك:
——————————–
أعلنت وزيرة الإسكان راندة المنشاوي عن طرح 15 ألف وحدة سكنية بنظام الإيجار عبر صندوق الإسكان الاجتماعي، بحد أقصى لقيمة الإيجار يبلغ 25% من دخل المتقدم، مع دعم المبلغ المتبقي. وتستهدف الوحدات المصريين حتى سن 35 عاما. وتستمر عقود الإيجار لثلاث سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، مع خيار التحويل إلى تمليك بعد مرور عام على الأقل. وفي سياق منفصل، وافق مجلس الوزراء على طرح 5 آلاف وحدة عبر هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، مصممة بنظام الإيجار المنتهي بالتملك من البداية، وفقا لشروط تحددها الهيئة بشكل مستقل. وبجمع البرنامجين، يجري ضخ 25 ألف وحدة في السوق عبر نماذج حيازة متوازية؛ الإيجار مع خيار التملك، والإيجار المنتهي بالتملك منذ اليوم الأول، بدلا من الآلية الوحيدة التي اعتمد عليها السوق حتى الآن.
رد فعل السوق
————–
الشركات تدعم التحول:
———————-
قال رئيس الاتحاد المصري للتمويل العقاري محمد الكحكي لإنتربرايز إن التمويل التشاركي يتيح لأكثر من شركة تمويل عقار واحد، مما يوزع المخاطر ويوسع نطاق ما يمكن للمقرضين المشاركين تمويله بشكل جماعي. ويضيف: “يسمح هذا بتمويل وحدات ومشروعات لم تكن متاحة في السابق لجهة تمويل واحدة”. من جانبه، قال رئيس مجلس إدارة شركة بيتا إيجيبت علاء فكري لإنتربرايز إن السوق يستعد لظهور نموذج الإيجار المؤسسي. وأشار فكري إلى أن المطورين الذين يمتلكون بالفعل وحدات جاهزة للتسليم ولم تُبع بعد قد يمثلون نقطة الدخول المحتملة لهذا النموذج؛ إما من خلال قيام صندوق استثمار عقاري بشراء هذه الوحدات من المطور في صفقة واحدة، أو من خلال تأسيس المطور لصندوقه الخاص لإدارتها مباشرة، على الرغم من أنه لم يجر إتمام أي صفقة من هذا النوع حتى الآن.
التمليك لا يزال يحتفظ ببريقه:
—————————–
يرى العضو المنتدب لشركة بنيان طارق عبد الرحمن أن التمليك لا يزال الخيار الأفضل. وأضاف عبد الرحمن لنشرة “إنتربرايز” الاقتصادية: “خطط السداد الممتدة لعشر سنوات جعلت الفجوة بين الإيجار والقسط الشهري متقاربة”، متسائلا: “إذا كان الخياران يتطلبان تدفقا نقديا متشابها، فلماذا لا يوجه هذا الإنفاق إلى أصل يمتلكه الشخص في النهاية؟”.
هذه الآليات لن تغير قواعد اللعبة بالنسبة للمطورين:
—————————————————-
يعتقد قادة آخرون في الصناعة أن هذه الآليات لن يكون لها أي تأثير ملموس على مبيعات القطاع الخاص لأسباب هيكلية. ويشكك فتح الله فوزي، رئيس لجنة التطوير العقاري بجمعية رجال الأعمال المصريين، في الأثر الواقعي للتمويل التشاركي، موضحا لإنتربرايز أن مبيعات السوق تعتمد على البيع قبل التنفيذ (البيع على الخارطة). وقال فوزي: “لا يوجد مطور لديه وحدات جاهزة للتسليم.. هذا النظام سيفيد فقط سوق إعادة البيع”.
عقبة العائد الاستثماري:
————————
قال معتز شعراوي، الرئيس التنفيذي ونائب رئيس مجلس إدارة مجموعة أبتاون 6 أكتوبر، لإنتربرايز إن الصناديق العقارية تحتاج إلى عائد استثماري مجد، في حين أن العوائد الإيجارية للوحدات السكنية في مصر، التي يبلغ حدها الأقصى 3% إلى 5%، لا ترقى إلى مستوى العوائد التي تحققها الأصول التجارية أو الفندقية التي تصل إلى 6% أو 9%، مما يحد من جاذبية شراء الوحدات السكنية بغرض تأجيرها.
الإيجار المنتهي بالتملك يخاطب عميلا مختلفا عن القطاع الخاص:
—————————————————————
قلل فوزي من تأثير طروحات وزارة الإسكان على المطورين من القطاع الخاص، مؤكدا لإنتربرايز أن “العميل الذي ينتظر وحدة سكنية بالإيجار من خلال الطروحات الحكومية ليس مستهدفا من قبل مطوري القطاع الخاص”، الذين يخاطبون أعلى 10% دخلا في البلاد. وأضاف شعراوي أن هذا النموذج ينجح مع الدولة لامتلاكها مخزونا مبنيا غير مستغل، “بينما المطور لا يبني ليحتفظ بالوحدات”.
التكلفة الحقيقية:
—————-
قال شعراوي لإنتربرايز إن “تكلفة الأموال هي الأزمة الحقيقية للأسعار”، موضحا أن بيع الوحدة بالتقسيط على 10 سنوات قد يضاعف ثمنها بسبب تكلفة الفائدة ومخاطر التحوط. في الوقت ذاته، أوضح محمد عبد الجواد، رئيس مجلس إدارة شركة فانتدج للتنمية العمرانية، لإنتربرايز أن تسعير المشروعات يتعقد بسبب تذبذب تكاليف مدخلات البناء. وقال: “تجاوز سعر طن حديد التسليح 40 ألف جنيه في بعض الفترات، مقارنة بمستويات كانت تدور حول 10 آلاف جنيه قبل عام 2020″، عازيا هذه القفزة إلى الزيادات المتتالية في أسعار الطاقة والوقود وتكاليف النقل والخدمات اللوجستية. وطالب عبد الجواد بوجود مؤشر عقاري يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتقييم السوق بعدالة.
الالتزام بمواعيد التسليم هو الحل الحقيقي:
——————————————
يعتقد فوزي أن المحفز الحقيقي للمبيعات هو التزام الشركات بمواعيد التسليم لتبديد مخاوف العملاء. ويحذر فكري من أن تنويع المنتجات وحده لن يجذب الاستثمار الأجنبي المباشر ما لم يقترن ببيئة استثمارية مرنة تضمن حرية تحويل الأموال واستقرار سعر الصرف.
المفاضلة:
———–
يسحب كل من الإيجار والقسط الشهري للتمويل العقاري على 10 سنوات مبلغا متقاربا إلى حد ما شهريا. لذا، فإن الخيار الحقيقي ليس بين الإيجار والتملك؛ بل بين توفر السيولة اليوم مقابل امتلاك أصل غدا. ويراهن المطورون على أن المشترين سيظلون يختارون الأصل.
الخطوة التالية:
————–
يمضي مسارا التمويل التشاركي وطروحات الإيجار على الطريق الصحيح للتنفيذ خلال الشهرين المقبلين. ويبقى السؤال حول ما إذا كانت هذه الآليات ستصل حقا إلى المشترين الذين استُبعدوا من السوق، أم سينتهي بها المطاف لخدمة قطاعات إعادة البيع والمستثمرين الذين يمتلكون بالفعل خيارات تمويلية. لا يزال المطورون يبيعون حصريا بنظام الـ “البيع على الخارطة”، ولا تزال العوائد السكنية أقل مما يحتاجه رأس المال المؤسسي. عندما يظهر الحدث العقاري الأبرز القادم في مصر، هل سيكون الانطلاق الفعلي للإيجار المؤسسي، أم مجرد توقع جديد له؟










