الفلاح المصري ليس مجرد شخص يزرع الأرض ويحصد المحصول بل هو واحد من أهم أعمدة الأمن الغذائي في مصر وهو الإنسان الذي يستيقظ من نومه قبل شروق الشمس ويظل طوال يومه بين الأرض والمياه والأسمدة والمبيدات بحثا عن رزق حلال وفي النهاية يجد نفسه أمام معركة أخرى لا تقل قسوة عن معركة الزراعة نفسها وهي معركة البيع ومواجهة جشع بعض التجار والوسطاء الذين يستغلون حاجة الفلاح واضطراره إلى بيع محصوله في أسرع وقت
المشكلة الحقيقية أن الفلاح هو من يتحمل وحده تقريبا تكلفة الإنتاج من بذور وأسمدة ومبيدات وري وعمالة ونقل ثم عندما يأتي وقت الحصاد قد يجد سعر المحصول منخفضًا بصورة لا تتناسب مع ما أنفقه ولا مع حجم الجهد الذي بذله طوال الموسم بينما يرتفع السعر على المستهلك في الأسواق بفارق كبير وهنا يطرح السؤال نفسه بكل وضوح أين تذهب حقوق الفلاح؟ ومن يراقب حلقات التداول بين المزرعة والسوق؟ ولماذا يظل المزارع هو الطرف الأضعف رغم أنه البداية الحقيقية لسلسلة الغذاء؟لذلك فإن حماية الفلاح لا تكون بالشعارات ولا بالكلام في المناسبات وإنما تحتاج إلى منظومة حقيقية تبدأ بتوفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة وتوفير المعلومات الدقيقة عن الأسعار المتوقعة للمحاصيل قبل موسم الزراعة حتى يستطيع المزارع اتخاذ القرار الصحيح وعدم الوقوع تحت رحمة الوسطاء كما تحتاج إلى تقوية الجمعيات الزراعية والتعاونيات وإنشاء قنوات تسويق عادلة ومباشرة تساعد الفلاح على الوصول إلى الأسواق دون أن يلتهم الوسطاء جزءًا كبيرًا من هامش الربح ومن الضروري
أيضًا مواجهة أي ممارسات احتكارية أو استغلالية في شراء المحاصيل من خلال رقابة حقيقية على الأسواق وتشجيع إنشاء مراكز تجميع وفرز وتخزين وتبريد قريبة من مناطق الإنتاج لأن الفلاح عندما يضطر إلى بيع محصوله سريعًا بسبب عدم وجود أماكن مناسبة للتخزين يصبح أكثر عرضة للضغط والاستغلال من التجار فى وضع وتحديد السعر وهذا جانب
أما الجانب الآخر من الأزمة فهو حماية المحاصيل الزراعية نفسها من الأمراض والآفات وتقلبات الطقس التي أصبحت تمثل تحديًا كبيرًا أمام المزارعين فالمحصول قد ينجح طوال الموسم ثم يتعرض في أيام قليلة لخسائر كبيرة بسبب موجة حرارة شديدة أو برودة مفاجئة أو أمطار غزيرة أو رياح قوية أو انتشار مرض زراعي ولذلك يجب أن تكون هناك منظومة إنذار مبكر تصل معلوماتها وتحذيراتها إلى الفلاح في الوقت المناسب وبأسلوب بسيط وواضح
كما أن دور الإرشاد الزراعي يحتاج إلى العودة بقوة إلى الحقول فالفلاح في حاجة إلى متخصص يرشده إلى طرق الوقاية المناسبة ومواعيد الزراعة والري والتسميد والتعامل الآمن مع الآفات والأمراض وليس مجرد منشورات أو تعليمات بعيدة عن الواقع التى يصطدم به الفلاح
والأهم من ذلك كله أن حماية الزراعة المصرية مسؤولية مشتركة بين الدولة والمزارع والتاجر والمستهلك فالدولة مطالبة بالرقابة والدعم والإرشاد والتسويق العادل والتاجر مطالب بالابتعاد عن الاحتكار والاستغلال والمزارع مطالب باتباع الإرشادات الزراعية والحرص على جودة محصوله والمستهلك مطالب أيضًا بأن يدرك أن وراء كل كيلو خضار أو فاكهة تعب إنسان قضى شهورًا كاملة في خدمة الأرض
فالفلاح المصري يستحق أن يعيش من أرضه بكرامة لا أن يظل يعمل طوال الموسم ثم ينتظر رحمة السوق عند الحصاد. يستحق أن يعرف سعر محصوله وأن يجد من يحميه من الاستغلال وأن يحصل على الدعم الفني الذي يساعده على حماية أرضه ومحصوله من المخاطر التى ممكن تواجه الفلاح فحمايه الفلاح ليست خدمة لفئة محددة وإنما حماية للغذاء المصري وللاقتصاد الوطني وللأمن الغذائي كله وإذا أردنا زراعة قوية وسوقا مستقرة وغذاءً آمنا فعلينا أن نبدأ من حيث تبدأ الحكاية من الأرض ومن الإنسان الذي يزرعها ويقوم على رعايتها فالفلاح لا يطلب صدقة ولا يبحث عن امتيازات خاصة وإنما يريد شيئًا بسيطًا وعادلًا أن يأخذ مقابلًا يحفظ له كرامته ويشجعه على الاستمرار في زراعة أرضه لأن الأرض التي لا يجد صاحبها فيها الأمان الاقتصادي قد تترك يومًا ما ومن يفرّط في الفلاح اليوم قد يدفع الثمن غدًا في أسعار الغذاء وفي أمن المجتمع واستقراره لذلك أرجوا أن
تحموا الفلاح تحموا الأرض وتحموا غذاء مصر والأمن الغذائي










