يخطئ من يظن أن الصحافة الورقية قد انتهي عصرها وزال بريقها ولم تعد لها مهمة أو وظيفة فى عالم اليوم.
صحيح أن الكبار والصغار قد انشغلوا بأدوات التواصل الاجتماعي وما فيها من صخب وبريق وفى معظم الأحيان عنف وابتذال وإسفاف.. لكن الصحافة كانت ولا تزال أداة الثقافة وبناء الوعى ومد جسور التعاون بين السلطات القائمة فى المجتمع؛ والجماهير على مختلف توجهاتها وتنوعها الفكرى والثقافى.
كما أن الصحافة لم تكن يوما مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل كانت تاريخيا وسيلة لكشف المشكلات، وإيصال شكاوى المواطنين، ودفع المسئولين إلى التدخل والحل.
لكن المهم الآن أمام هذه الحقائق وفى ظل توجيهات رئيس الدولة بمناقشة مشكلة الاعلام بأمانة وموضوعية وطرح الحلول العملية الكفيلة باستعادة الاعلام عموما لرسالته نتساءل: هل ما زالت الصحافة الصوت القوى للناس وجسر التواصل بين الشعب والدولة؟
التقييم الموضوعي يفرض علينا أن نؤكد أن صحافة اليوم- ورقية وإلكترونية- تحتاج إلى مناخ أفضل من كل سلطات المجتمع لكى تستعيد دورها ورسالتها التاريخية.. فكم حلت الصحافة- فى الماضى القريب- من مشكلات؛ وكم أسهمت فى حل كثير من الأزمات، وكم تبنت من قضايا وطنية فى ظروف غاية فى الصعوبة، وخرجت منها منتصرة لنبض الجماهير.. فلم تكن الصحافة المصرية في يوم من الأيام مجرد صفحات تطبع كل صباح، أو أخبار وحوارات وتحقيقات ومقالات تنشر لتصل إلى القارئ ثم تنتهي مهمتها عند هذا الحد.. بل كانت الصحافة ولا تزال في جوهر رسالتها، واحدة من أهم أدوات المجتمع في التعبير عن نفسه، وكشف مشكلاته، ونقل هموم المواطنين إلى كافة المسئولين فيه بهدف المساهمة فى حلها.
على مدى عقود طويلة، عرف المواطن المصري الصحيفة باعتبارها المكان الذي يستطيع أن يطرق بابه عندما تغلق أمامه أبواب أخرى.. كانت شكوى المواطن تصل إلى الصحيفة، فتبحث فيها، وتتحقق من تفاصيلها، ثم تضعها أمام المسئول المختص، فتتحول المشكلة الفردية أحيانا إلى قضية عامة تستوجب التدخل والحل.. وكم سافرت أنا شخصيا إلى قرى ومدن ومحافظات لكى أرصد مشكلات وانقل هموم الناس وبعد ساعات من نشرها كنا نشعر فى ” الجمهورية” بسعادة كبيرة نتيجة تجاوب المسئولين مع ما ننشره من مشكلات وإعادة البسمة إلى الجماهير التى كانت دائما تلجأ إلينا لإغاثتهم والمساعدة فى حل مشكلاتهم.
كم من مواطن كتب إلينا أو تواصل معنا يشكو مشكلة في قرية أو مدينة أو حى، أو جهة حكومية، وكم من مشكلة ظلت معلقة حتى تناولناها بأمانة وموضوعية وساهمنا فى حلها، وهكذا فعلت باقى الصحف المصرية بإحساس قوى بالمسئولية.
هذه الروح يجب أن تعود بين المسئولين والصحافة والشعب.. فهنا كانت تكمن قيمة الصحافة الحقيقية التى تعمل لصالح الوطن.. فلن يستفيد أحد فى هذا البلد الذى عرف بصحافته القوية فى كل العصور من إبطال أو إخماد رسالة الصحافة الحقيقة سوى أعدائه.
من هنا نذكر كل المسئولين على اختلاف مستوياتهم بأن الصحافة قناة اتصال وليست خصما للدولة.. ومن الخطأ النظر إلى الصحافة باعتبارها في مواجهة دائمة مع أجهزة الدولة ومؤسساتها.
الصحافة المهنية الحرة المسئولة ليست خصما للدولة، كما أن المسئول الجاد لا ينبغي أن ينظر إلى الصحفي باعتباره خصما له أو دوره أن ينقل وجهة نظره ويهمل هموم ومشكلات الناس.
على عكس ما يفهمه بعض المسئولين تماما، يمكن أن تكون الصحافة واحدة من أهم قنوات التواصل بين المواطن ومؤسسات الدولة.
فالمواطن قد لا يعرف إلى من يتوجه بشكواه، وقد يعرف الجهة المسئولة لكنه لا يستطيع الوصول إليها، وقد يصل إليها بالفعل دون أن يجد استجابة وهنا يأتي دور الصحافة في نقل المشكلة إلى المسئول المختص، ومتابعة ما تم بشأنها، ثم العودة إلى المواطن بالنتيجة.
وبهذه الصورة تصبح الصحافة حلقة وصل حقيقية بين الشعب والدولة، وتصبح الشكوى الفردية وسيلة لاكتشاف الخلل الإداري أو الخدمي الذي قد يعاني منه آلاف المواطنين.
منذ أيام سألني أحد المواطنين الذى كان ينشر شكوى من خمس سطور فى باب ” مع الناس” بالجمهورية فتقوم الدنيا ولا تقعد.. وقال: ماذا حدث للصحافة أو بمعنى أصح ماذا حدث للمسئولين الذين قل اهتمامهم بما ينشر فى الصحف من مشكلات؟
وبكل صراحة أشارك هذا المواطن السؤال وأضيف: لمصلحة من يقرأ المسئول شكوى المواطن فى صحيفة أو فى أى وسيلة أخرى ويتعامل معها بدون اكتراث؟
ومن الذى يحاسب المسئول الذى يفعل ذلك؟
فى الماضى القريب كانت إدارة الإعلام فى مجلس الوزراء تتابع أهم ما ينشر فى الصحف من مشكلات وتطلب من الوزارات المعنية ردودا ووقتها كانت الوزارة تهتم بما ينشر وتبادر بالرد والتوضيح وترسل الى الصحف ردودا سريعة وقد يبادر المسئول فى الوزارة بالاتصال بالصحيفة بنفسه لتوضيح ملابسات ما نشر.. ويجب أن نعترف أن هذا الاهتمام قد قلت مساحته كثيرا.. ولا ندرى من الذى جعل كثيرا من المسئولين يعيشون حالة طمأنينة غريبة من الصحافة أو يعاتبونها أحيانا على ما تنشره عن شكاوى وهموم الناس.. وبالتأكيد من يفعل ذلك لن يجد آذانا صاغية لشكواه أو عتابه فى أية صحيفة لأنه يجهل رسالة الصحافة ووظيفتها الأساسية فى المجتمع.
الدور الرقابى الذى كانت تقوم به الصحافة يجب أن يعود.. ليس من أجل الصحفي، ولا من أجل الصحيفة، وإنما من أجل المواطن والدولة معا.
يزعم البعض أن عصر الصحافة الورقية قد انتهى، وأن الهاتف المحمول ومواقع التواصل الاجتماعي جعلا الصحف الورقية شيئا من الماضي..وهذا الكلام يحتاج إلى قدر كبير من المراجعة.
صحيح أن طريقة وصول الخبر إلى المواطن قد تغيرت، وأن الصحافة الإلكترونية ومواقع التواصل أصبحت أسرع وأوسع انتشارًا، لكن سرعة النشر لا تعني بالضرورة قوة الوسيلة.. فمن يستطيع أن يكتب خبرا في دقائق يستطيع أن ينقل معه شائعة في الدقائق نفسها.
الصحافة الحقيقية وظيفتها أن تتحقق وتبحث وتوثق وتسأل وتتابع.
ولهذا فإن الصحافة الورقية، حتى مع تراجع توزيعها مقارنة بالماضي، لا تزال تمتلك قيمة مهمة، خاصة عندما تقدم التحقيق الصحفي والرأي الرصين والتحليل الموضوعى، والملفات التي تحتاج إلى بحث وتوثيق ومتابعة.. والإلكترونية ليست أقل أهمية لكن لها رسالة سريعة لا نهملها ولا نتجاوزها ولا نبالغ فيها.
نعم.. الصحافة الإلكترونية أصبحت جزءا أساسيا من المشهد الإعلامي، وتمتلك ميزة السرعة والانتشار والقدرة على الوصول إلى المواطن في أي مكان.. ومن هنا جاء اهتمام كافة المؤسسات الصحفية بإنشاء مواقع الكترونية تنقل من خلالها لقرائها ما يحتاج الى سرعة فى النقل، وهنا تتكامل الصحافة الورقية المطبوعة مع الالكترونية ليقدما معا كل ما يحتاجه القارىء من رسائل صحفية تلبى له كل احتياجاته الفكرية والثقافية وتنقل همومه ومشكلاته لمن بيده قرار حلولها والتعامل معها.
b_halawany@hotmail.co










