كان من السهل عليّ وأنا طفل صغير ، أن أتفهم دوافع هذا الجمهور الغفير الذي يجلس منتشياً أمام الحاج سيد حواس أو سعد الشاعر ، أو بعد ذلك عمي جابر أبو حسين ، أساطين السيرة الهلالية ، حيث الرجال يفترشون الأرض بقش الأرز ، والنساء يعتلين سطوح المنازل !!.
تتراص المئات بل الآلاف في بعض الأحيان ، منتشين طرباً لوقع وصف المعارك الطاحنة التي كان يخوضها الزناتي خليفة وأبو زيد الهلالي ، والذي كان لايهزم أبدا ، وتحمر خدود النسوة خجلاً عند ذكر حكايات الحب والعشق والغرام بين عزيزة ويونس !!.
كانت مشاعر الجمهور تتوافق وما يحكيه الشاعر غناء شجياً ، يصاحبه عزف ربابته ، أو آهات ناي أو عدة نايات حزينة !!.
ثم جاء أهل الطرب الحديث ، فكان لكل منهم جمهوره الذي يتبعه ويسمعه : العندليب للصبايا الوالهات الرومانسيات الحالمات بفارس يأتي علي حصان أبيض ليخطفها ويحلق بها في الفضاء ، وعبد الوهاب مطرب الملوك والسميعة أصحاب الذوق الرفيع ، بالتوازي مع رشدي وشفيق جلال ومحمد عبد المطلب ومحمد طه وغيرهم من فناني الشعب ، ومطربي غناء الترع والسواقي والشواديف والتوت والصفصاف وجمع القطن وزفة الخليفة وموكب الحج والمحمل ، وقد أستثني أم كلثوم وفيروز فجمهورهما كان ومازال من طراز خاص !!.
تفهمت كل ذلك طوال عمري ، لكنني وقفت أمام جمهور محمد رمضان محتاراً في فهمه ، وإدراك ذوقه ؛ فهو مزيج من البلطجية ومتعاطي البانجو والمراهقين والتافهين والمنفلتين والصبية ، الذين ينظرون إليه في دهشة وفرحة بلهاء ، فهو يمثل لهم النموذج الحيّ للثراء والنجاح دون أية حيثيات أو مؤهلات أو مواهب ، وكل منهم يتساءل فاغراً فاه ، ولماذا لا أكون مثله ، ماذا يجيد هذا البلياتشو سوي ارتداء الملابس الغريبة ، وأداء بعض الحركات البهلوانية ، فلا صوت ولا طرب ولا كلمات ذات معني ولا لحن بديع !!.
فإن قالوا بأنه مطرب راب ، فأين هو من أساطير الراب أمثال توباك أو دريك أوكاشي ويست ، وإن قالوا بأنه مايكل جاكسون العرب ، فذلك مثل قولك بأن بوس الواوا أفضل من الأطلال !!.
عندما أتأمل المشهد ، لا أري سوي لوحة عبثية ، ذات خطوط سيريالية تشبه لوحات السلفادور دالي ، قرد يتقافز عارياً تارة ، وتارة يرتدي كومة من الملابس الشاذة ، وأمامه آلاف من أفواه مشدوهة ، وعيون تبرق حسرة ، وألسنة تلهج بالتمني ، وتلوك أوهامها المخلوطة بحلم مستحيل !!.
جمهور محمد رمضان من التافهين أمثاله ، لكنه استطاع أن يستثمر تلك التفاهة ويترجمها إلي سيارات فارهة وطائرة خاصة وملايين الدولارات ، وشهرة طاغية بلا سبب ، ويثبت أنه عنوان المرحلة ، ويؤكد أننا نعيش أزهي عصور التفاهة والتافهين !!.










