نظام العقوبات واتفاقيات أبراهام
من المرجح ألا يكون نظام العقوبات العالمي قابلا للاستمرار؛ ومن المحتمل أن تحافظ إيران على سيطرتها على تدفقات الطاقة لمدة عامين على الأقل؛ وتشير أكثر التقديرات تفاؤلا إلى أن إنشاء خطوط أنابيب وطرق تصدير بديلة تتجاوز مضيق هرمز سيستغرق هذه المدة؛ لكن المرء يتساءل عما إذا كانت هذه المشروعات ستتحقق أصلا؛ فخطوط الأنابيب والموانئ ومنشآت الطاقة الجديدة ستكون معرضة للصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية بالقدر نفسه الذي كانت عليه المنشآت القديمة؛ فهل ستقف إيران مكتوفة الأيدي بينما تبني الدول المجاورة الوسائل اللازمة للإفلات من سيطرتها؟ ستكون الدول الصغيرة التي يتعين عليها بناء مثل هذه الطرق وحمايتها حذرة من إثارة غضب إيران، خصوصا بعدما ثبت قصور الحماية الأمريكية؛ وتحاول إيران بالفعل إبعاد العراق عن تطوير ممرات بديلة لتصدير النفط، وذلك جزئيا من خلال عرض المرور الآمن للناقلات العراقية بشروط إيرانية؛ لقد بدأ التكيف الإقليمي؛ فحكام الخليج الذين كانوا يعتمدون في السابق على ضمانة أمنية أمريكية بات عليهم الآن التوصل إلى تفاهم مع القوة التي أثبتت قدرتها على هزيمة حاميهم.
ويشير رفض السعودية لاتفاقيات أبراهام المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل، واختيارها بدلا منها اتفاقا استراتيجيا مع باكستان وتركيا، إلى ملامح المستقبل؛ لقد مثلت اتفاقيات أبراهام تكريسا للقوة والنفوذ الإسرائيليين في المنطقة، ومزيدا من احتواء إيران؛ أما اتفاق مكة فهو شيء مختلف تماما؛ فلا باكستان ولا تركيا تنظران إلى إيران باعتبارها تهديدا رئيسيا؛ وباكستان، مثل إيران، تتمتع بعلاقات وثيقة مع الصين؛ بينما تنظر إسرائيل إلى تركيا باعتبارها تهديدا إقليميا لا يسبقها فيه سوى إيران؛ وبدلا من نظام أمريكي إسرائيلي، سيكون هذا اصطفافا أقل عداء بلا هوادة لإيران، وأقل ودا تجاه إسرائيل، وأكثر استقلالا عن الولايات المتحدة؛ كما يجمع بين الموقعين عامل آخر هو الأسلحة النووية، باكستان تمتلكها، فيما يريدها الأتراك والسعوديون؛ وفي غضون ذلك، ستكون إيران حرة في استئناف برنامجها الخاص للأسلحة النووية من دون خوف من هجوم كبير آخر؛ وهذه الحقيقة وحدها ستغير ميزان القوى الإقليمي.
اعادة التسليح وخوف الإدارة الأمريكية
ففي العام الماضي، قصفت إسرائيل والولايات المتحدة المنشآت النووية الإيرانية لمدة 12 يوما من دون مواجهة رد إيراني خطير؛ أما الآن، فقد ازدادت جرأة إيران على استخدام سيطرتها على المضيق وتهديداتها للدول المجاورة وبناها التحتية للطاقة لردع أي ضربات مماثلة في المستقبل المنظور؛ وسيستغرق تجديد مخزونات الصواريخ والصواريخ الاعتراضية الأمريكية وقتا طويلا، وربما تكون هناك حاجة إليها في مناطق أخرى من العالم خلال السنوات المقبلة؛ وفي الوقت نفسه ستواصل إيران إعادة التسلح بمساعدة روسيا والصين، ما قد يترك الولايات المتحدة بعد عام من الآن في وضع أسوأ مما هي عليه اليوم؛ وستمتد الآثار إلى ما هو أبعد كثيرا من الشرق الأوسط؛ فحلفاء أمريكا في آسيا وأوروبا يرون أن حربا قصيرة نسبيا ضد قوة من المرتبة الثانية استهلكت جزءا كبيرا من مخزون الولايات المتحدة من الأسلحة اللازمة للدفاع الصاروخي؛ ويرون أن الولايات المتحدة بدأت حربا لم تستطع إنهاءها، وعرضت شركاءها للانتقام، ثم توقفت عندما أصبحت التكاليف أكبر مما يمكن تحمله.
وقد يكون من المستحيل معرفة الاستنتاجات التي ستتوصل إليها بكين بشأن تايوان، أو موسكو بشأن أوروبا؛ لكن حلفاء أمريكا سيتساءلون حتما عما إذا كانت واشنطن تمتلك الأسلحة والقدرة على الصمود والإرادة السياسية اللازمة لخوض صراع كبير آخر والمحافظة عليه؛ والواقع أنهم يفعلون ذلك بالفعل؛ ومن الممكن، بطبيعة الحال، أن يسقط النظام الإيراني؛ فهو فاسد وقمعي وغير كفء اقتصاديا، ومكروه على نطاق واسع من شعبه؛ لكنه كان يعاني كل نقاط الضعف هذه قبل الحرب؛ وما لم يكن يمتلكه آنذاك هو السيطرة على أهم ممر للطاقة في العالم، واحتمال تزايد الإيرادات والنفوذ، والقدرة المثبتة على ردع الولايات المتحدة، وهيبة انتصار كان يبدو مستحيلا؛ ومن المرجح أن يخرج نظام نجا مما اعتقد كثيرون حول العالم أنه سيدمره، ثم أجبر القوة المهيمنة في العالم على التراجع، أكثر قوة، ولو لفترة؛ ومثل هذا النجاح يولد الثقة عادة، وربما الثقة المفرطة؛ لكنه لن يجعل قادة إيران، على الأرجح، أقل طموحا أو أقل تمسكا بالإيمان الذي يعتقدون أنه حملهم عبر هذا الانتصار المعجز.
وفي الآونة الأخيرة، بدأ كبار المسؤولين الإيرانيين يتحدثون علنا عن تبني وضع “هجومي بالكامل”، كما ظهرت تقارير عن خطط إيرانية لتوسيع قائمة أهدافها لتشمل دولا أوروبية تستضيف قواعد أمريكية؛ ومن المثير للسخرية أن نرى عناوين في صحيفة “نيويورك تايمز” تتساءل: “من سيرمش أولا؟”، في حين أن الإيرانيين، حتى الآن، لم يرمشوا ولو مرة واحدة، بينما لم تفعل إدارة ترامب شيئا سوى أن ترمش؛ وقد تبدأ إيران حتى القتال من جديد لإجبار الولايات المتحدة على رفع الحصار البحري؛ وبالنظر إلى خوف الإدارة الأمريكية المثبت من التصعيد، فإن هذا الأمل ليس غير منطقي؛ لقد أمضى العالم عقودا يقلق بشأن ما قد تفعله إيران إذا حصلت على سلاح نووي؛ أما الآن، فعليه أن يقلق بشأن شيء أشد خطورة وأبعد أثرا من كون أن إيران هزمت الولايات المتحدة، ولم تعد تخشى هجوما أمريكيا، وتسيطر على الوصول إلى الخليج؛ لم يكن بوسع الأسلحة النووية وحدها أن تمنح إيران هذا النوع من القوة؛ الحرب الأمريكية والإسرائيلية الفاشلة مع إيران هي التي فعلت ذلك.
تمت،
الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية










