في زمن تندر فيه التضحيات وتطغى فيه الفردية، يترجل العظماء في صمت، يتركون خلفهم أثراً لا يمحوه الزمان، وسيرة عطرة تضيء بين عتمات الحياة. لقد ودعت المنطقة والوطن رجلاً من طراز فريد، نبيلاً في أخلاقه، متواضعاً في تعامله، وفياً لعهده مع الله ومع الناس؛ إنه المغفور له بأمر الله المهندس مجدي مهدي، الذي فاضت روحه إلى بارئها وهو في أوَج عطائه، ساعياً في قضاء حوائج العباد.
سيرة ممتدة من العطاء بلا حدود
على مدار أكثر من عشرين عاماً، كان الفقيد الراحل نموذجاً يحتذى به في التفاني والإخلاص؛ عرفه كل من حوله متديناً يبتغي بطاعته وجه الله، محباً لفعل الخيرات، يقدم النصيحة الخالصة لا يريد من أحد جزاءً ولا شكوراً. لم تكن مفاهيم العطاء لديه مجرد شعارات تُرفع، بل كانت منهج حياة وسلوكاً يومياً يُترجم إلى أفعال.
سارع رحمه الله في كل درب يوصله إلى نفع العباد، مفضلاً المصلحة العامة ومصالح أهل منطقته على مصلحته الشخصية وصحته ووقته. وكان ثمرة هذا الإخلاص تأسيسه لـ “جمعية تنمية المجتمع المحلي”، التي حمل على عاتقه من خلالها مسؤولية النهوض بالمنطقة وتوصيل المرافق والخدمات الأساسية لها. امتلك الراحل صبراً أيوبياً وقدرة فائقة على التحمل لتجاوز العقبات وإنجاز الأهداف التي طالما حلم بها لرفع مستوى معيشة الناس والرقي بالبيئة المحيطة بهم.
تضحية حتى النفق الأخير
لم يكن المهندس مجدي مهدي يكلّ أو يملّ؛ كان يعمل لعدة ساعات متواصلة بلا مقابل، يؤثر خدمة الأهالي على راحته وبيته، حتى جاءت لحظة ختامه الشريفة لتكون شاهدة على نبل مقصده. فلقد جاد بأغلى ما يملك—روحه الطاهرة—وهو يسعى في إتمام إجراءات ترخيص سيارة دفن الموتى الخاصة بالجمعية، لخدمة أهالي المنطقة الذين طالما حمل همّهم وسعى في منافعهم.
ورغم ما كان يعانيه أحياناً من سلبية البعض وقصور المشاركة المجتمعية، إلا أن ذلك لم يفتّ في عضده أو يثنِ عزيمته عن الحلم الكبير؛ فقد كان يحلم ويخطط بأن تصبح منطقته في أبهى صورها وتضاهي أرقى أحياء مصر.
جنازة تشهد بحب السماء والأرض
جاء يوم الوداع ليكون استفتاءً ربانياً على مكانة هذا الرجل في قلوب العباد. مشهد جنازي مهيب شهد فيه الصغير والكبير بحبه، ولهجت الألسن بالدعاء لمن عاش طاهر اليد، عفيف النفس، لا يخاف في الحق لومة لائم، متصالحاً مع نفسه ومع ربه.
لقد رحل المهندس مجدي مهدي جسداً، لكنه ترك مدرسة في التجرد والبذل. ونحن إذ نودعه بقلوب يعصرها الحزن والأسى، لا نقول إلا ما يرضي ربنا، ونحسبه عند الله من الشهداء والصالحين، فقد مات وهو في سعيٍ حثيث لقضاء حوائج المسلمين.
رحمك الله يا أبا المروءة والوفاء، تغمدك الله برحمته الواسعة، وأسكنك الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا، وجمعنا بك في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة