كان لابد أن يتدخل الرئيس عبدالفتاح السيسى ليوقف مذبحة الأشجار فى الشوارع والأماكن التاريخية فى مصر، ويأمر بإعادة تشجير المدن الكبيرة بما يليق بها ويرفع من كفاءة المقاومة البيئية للتلوث بها، وبما يعيد لها رونقها وبهائها وقيمتها الحضارية.. فنحن نعيش فى مصر الذى يجب أن يعبر كل شىء فيها عن قيمة مصر وحضارتها وعظمتها. أشجار المدن المصرية.. ليست مجرد نباتات لها فوائدها البيئية فحسب بكل لكل شجرة قديمة فيها تاريخ وقصة كفاح يجب أن تروى.. ومن يريد أمثلة حية على ذلك فليذهب الى الريف المصرى، ويبحث عن أشجار الجميز والتوت العريقة التى تواكب أجيال من المصريين على الاكل منها والجلوس تحتها وقصص الأنس معها فمن منا لم يذاكر دروسه تحت شجرة عتيقة، ومن منا لم يذهب إلى شجرة من هذه الأشجار ليجلس تحتها ويأكل من خيراتها ثم يغادر وهو أكبر بهجة وراحة نفسية. لذلك.. يجب أن نفكر ألف مرة قبل الاقدام على قطع شجرة عتيقة لها بصمتها الحضارية على شوارع مصر الشهيرة. فحين تقطع شجرة في مدينة مزدحمة، لا يسقط جذع وفروع فقط.. وإنما تفقد المدينة جزءا من رئتها، ويفقد الإنسان ظلا وهواء أنقى ومساحة من الجمال والراحة. لم تعد الأشجار داخل المدن المصرية مجرد عنصر جمالي يزين الشوارع والميادين، أو مساحات خضراء تضاف إلى المشهد العمراني لتحسين صورته، وإنما أصبحت ضرورة بيئية وصحية وإنسانية، خصوصا في المدن التي تعاني من الزحام والتلوث وارتفاع درجات الحرارة والتوسع العمراني المتواصل. ومن هنا فإن قضية الأشجار في المدن يجب ألا ينظر إليها باعتبارها قضية هامشية أو ترفا يمكن الاستغناء عنه عندما تتعارض مع مشروع طريق أو كوبري أو توسعة شارع.. فالشجرة التي استغرق نموها سنوات طويلة لا يمكن تعويضها بمجرد زراعة شتلة صغيرة مكانها، لأن قيمة الشجرة لا تقاس فقط بسعر الشتلة أو تكلفة زراعتها، وإنما بما أصبحت تمثله بعد سنوات من النمو من ظل ومساحة خضراء وقدرة على امتصاص بعض الملوثات وتلطيف الجو وتحسين المشهد الحضري. مع ارتفاع درجات الحرارة خلال السنوات الأخيرة، وزيادة الكثافة السكانية في المدن، وتزايد أعداد السيارات، وما يصاحب ذلك من انبعاثات وتلوث وضوضاء وضغط متواصل على البيئة الحضرية.. أصبحت الأشجار أكثر ضرورة فهى خط الدفاع الطبيعي داخل المدن.
فى المدن الحديثة لا ينبغى أن نولى اهتمامنا باتساع الطرق والبنية التحتية من طرق وكباري وشبكات مياه وصرف ومواصلات فحسب.. بل ينبغي أن نولى اهتماما كبيرا بالبنية الخضراء فهى لا تقل أهمية عن هذه المنشآت.. والأشجار هي أحد أهم عناصر هذه البنية الخضراء، فهي تساعد على تخفيف حرارة البيئة المحيطة من خلال توفير الظل والمساهمة في تبريد الهواء، وهو أمر بالغ الأهمية في الشوارع الواسعة والمناطق التي تغطيها طبقات الإسفلت والخرسانة.
فالأسفلت والخرسانة يمتصان كميات كبيرة من الحرارة خلال النهار ويعيدان إطلاقها ليلا.. وهنا تظهر أهمية الأشجار.. فوجود صفوف من الأشجار على جانبي الطريق لا يجعل الشارع أكثر جمالا فحسب، بل يساهم أيضا في خلق بيئة أكثر راحة للمشاة والسكان، ويوفر الظل ويقلل تعرض الإنسان المباشر لأشعة الشمس.
وفي مصر تمتد أشهر ارتفاع درجات الحرارة، ولذلك فإن الظل الذي توفره الشجرة الكبيرة ليس رفاهية .. إنه جزء من جودة الحياة.
فالأشجار لها فوائد بيئية متعددة، فهي تمتص ثاني أكسيد الكربون وتطلق الأكسجين من خلال عملية البناء الضوئي، كما تساهم أوراقها وأغصانها في التقاط جزء من بعض الملوثات والجسيمات الموجودة في الهواء.
كما تساعد المساحات الخضراء والأشجار في تخفيف بعض آثار التلوث والحرارة، وتوفر بيئة أفضل للإنسان مقارنة بالشوارع التي تتحول بالكامل إلى كتل من الخرسانة والإسفلت.
ولا تتوقف فوائد الأشجار عند الهواء والحرارة.. فالأشجار تساعد أيضا في تقليل سرعة مياه الأمطار وجريانها على الأسطح الصلبة، ويمكن للمساحات الخضراء والتربة المحيطة بها أن تساعد في امتصاص جزء من المياه، وهو أمر تزداد أهميته مع تغير أنماط الأمطار وزيادة الحاجة إلى تحسين قدرة المدن على التعامل مع الأمطار الغزيرة.
كما توفر الأشجار موائل وغذاء للطيور والحشرات والكائنات الصغيرة، وبالتالي فإنها تساهم في الحفاظ على قدر من التنوع البيولوجي داخل المدن.
وهناك جانب آخر لا يحصل على الاهتمام الكافي، وهو العلاقة بين البيئة الخضراء والصحة النفسية.
فالإنسان بطبيعته يميل إلى الطبيعة، ومشهد الأشجار والمساحات الخضراء يختلف تمامًا عن المشهد الذي تسيطر عليه الخرسانة والإسفلت والسيارات.
بالإضافة لكل ما سبق فإن وجود الأشجار في الشوارع والميادين والحدائق يوفر قدرا من الراحة البصرية والنفسية، ويجعل المدينة أكثر قابلية للحياة.
والمدينة التي يمكن للإنسان أن يسير فيها تحت ظل الأشجار ليست كالمدينة التي يضطر فيها إلى السير تحت الشمس بين السيارات والعوادم والخرسانة.
ولهذا أصبحت جودة البيئة الحضرية أحد المعايير المهمة عند تقييم جودة الحياة في المدن الحديثة.
لا أحد يرفض تطوير الطرق أو إنشاء الكباري أو تحسين المواصلات أو إعادة تخطيط الشوارع.. بل إن تطوير البنية الأساسية أمر ضروري.
لكن السؤال الذي يجب أن يطرح قبل أي مشروع هو:
هل كان من الممكن تنفيذ المشروع مع الحفاظ على أكبر قدر ممكن من الأشجار الموجودة؟
هذا السؤال البسيط يمكن أن يغير كثيرا من طريقة تعاملنا مع الأشجار.
فالتطوير الحقيقي لا يعني بالضرورة إزالة كل ما يعترض طريق المشروع.
وفي كثير من الحالات يمكن تعديل التصميم، أو تغيير مسار جزئي، أو نقل بعض الأشجار الكبيرة بطريقة علمية، أو تقليل مساحة الإزالة، أو إعادة توزيع عناصر المشروع، بما يسمح بالحفاظ على أكبر قدر ممكن من الغطاء النباتي.
أما أن يكون الحل الأول والأسهل دائما هو قطع الأشجار، فهذا يعني أن التخطيط العمراني خاطىء ولا يدرك أن النبات أصل من أصول المدينة
بقى أن نوجه التحية للمواطن المصرى فقد أكد أنه شريك فى إدارة شئون الوطن وليس متفرجا.. فقد كان له الفضل الأول فى التنبيه لخطورة نزع الأشجار من شوارعنا حيث هبت الجماهير من خلال مواقع التواصل الاجتماعى تدافع عن الأشجار، وتطالب بمحاسبة كل مسئول أو مواطن يقطع شجرة دون وعى بأهمية وجودها وتحسين مظهرها.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة