حسام بدراوي يكتب.. قراءة في كتاب .. اعترافات قاتل اقتصادي.. ‏لچون بيركنز


ليست كل الحروب بالدبابات، وليس كل احتلال في حاجة إلى جنود يعبرون الحدود. فقد تدخل ‏الهيمنة إلى الدولة في صورة قرض، أو مشروع للبنية الأساسية، أو دراسة جدوى تعد ‏بمستقبل مزدهر، ثم تكتشف الدولة بعد سنوات أن الطريق الذي قيل إنه سيقودها إلى التنمية قد ‏قادها إلى التبعية.‏
هذه هي الفكرة المركزية التي يطرحها جون بيركنز في كتابه الشهير “اعترافات قاتل ‏اقتصادي”‏‎ Confessions of an Economic Hit Man، الصادر سنة ‏‎2004‎، والذي ‏أثار منذ ظهوره جدلًا واسعًا؛ لأنه لا يقدم نفسه بوصفه دراسة أكاديمية محايدة، بل باعتباره ‏شهادة من الداخل، يروي فيها مؤلفه الدور الذي يقول إنه أداه داخل منظومة تجمع بين ‏الشركات الكبرى، والمؤسسات المالية الدولية، والمصالح السياسية والاستراتيجية للدول ‏النافذة.‏

نُشر الكتاب في الولايات المتحدة، وأصبح من الكتب الأكثر مبيعًا، ثم صدرت منه طبعات ‏جديدة، كان أحدثها إصدار موسع ثالث سنة ‏‎2023. ‎ويقدمه ناشره باعتباره شهادة تكشف ‏استخدام قروض التنمية لإغراق الدول في الديون وإخضاعها للمصالح الأمريكية، ثم يوسع ‏بيركنز في الطبعة الأخيرة دائرة نقده لتشمل ممارسات صينية مشابهة.‏

وهذا التوسع مهم؛ لأنه ينقل القضية من اتهام دولة بعينها إلى مناقشة نمط من أنماط القوة قد ‏تمارسه أي دولة كبرى، متى امتلكت المال والنفوذ، وسعت إلى تحويلهما إلى سيطرة على ‏موارد الدول الأضعف وقراراتها.‏

عمل بيركنز في سبعينيات القرن العشرين في شركة الاستشارات الأمريكية ‏‎«‎تشارلز تي. ‏مين‎» ‎المعروفة اختصارًا باسم ‏MAIN، وتولى فيها منصب كبير الاقتصاديين. وكان دوره ‏الظاهر إعداد دراسات الجدوى والتنبؤ بمعدلات النمو الناتجة عن مشروعات البنية الأساسية ‏الكبرى في الدول النامية.‏
أما دوره الحقيقي، كما يرويه هو، فكان أكثر تعقيدًا.‏
كان يُرسل إلى الدول الغنية بالموارد الطبيعية، فيقنع حكوماتها بالحصول على قروض هائلة ‏من البنك الدولي ومؤسسات التمويل الدولية. ولم تكن الأموال، في كثير من الحالات، تدخل ‏اقتصاد الدولة المقترضة بصورة مباشرة، بل تعود سريعًا إلى الشركات الأمريكية التي تتولى ‏بناء محطات الكهرباء والمطارات والطرق والسدود
‏ شاركت الشركة في إعداد دراسات لمشروعات كبرى في عدد من الدول النامية. وكانت ‏مهمته الظاهرة تقدير احتياجات هذه الدول من الطاقة والبنية الأساسية، والتنبؤ بمعدلات النمو ‏التي يمكن أن تحققها المشروعات المقترحة.‏

جون بيركنز يصف لنفسه دورًا آخر أكثر خطورة، أطلق عليه تعبير “القاتل الاقتصادي”.‏

من هو القاتل الاقتصادي؟
القاتل الاقتصادي، كما يصوره الكتاب، لا يحمل مسدسًا، ولا يضع قنبلة، ولا يقود انقلابًا ‏عسكريًا. إنه رجل يرتدي بدلة أنيقة، ويحمل حقيبة مليئة بالدراسات والجداول والتوقعات ‏والعقود. يدخل إلى قصور الحكم من باب التنمية، ويقنع القادة بالحصول على قروض هائلة ‏لتمويل السدود ومحطات الكهرباء والمطارات والطرق والمدن الجديدة.‏
تبدو الصفقة في ظاهرها رابحة للجميع: الدولة تحصل على مشروعات ضخمة، والحكومة ‏تعلن لشعبها بداية عصر جديد، والمؤسسات الدولية تقدم نفسها شريكًا في التنمية.‏
لكن السؤال الذي يكشفه بيركنز هو: أين تذهب أموال القرض فعلًا؟
في كثير من الحالات، لا تبقى الأموال داخل اقتصاد الدولة المقترضة، وإنما تعود سريعًا إلى ‏الشركات الأجنبية التي تتولى التصميم والبناء والتوريد والإدارة. تحصل الشركات على ‏العقود والأرباح، وتحصل النخبة الحاكمة على المكانة السياسية، وربما المنافع الشخصية، ‏بينما يبقى للشعب دين طويل الأجل يتعين على الأجيال التالية سداده.‏
هندسة المستقبل بالأرقام
من أخطر ما يطرحه الكتاب أن السيطرة لا تبدأ بالضرورة من قرار سياسي مباشر، بل قد تبدأ ‏من دراسة اقتصادية.‏
فعندما يبالغ الخبراء في توقع معدلات النمو، أو يفترضون أن مشروعًا ضخمًا سيحقق عائدًا لا ‏تسمح به الظروف الواقعية، يصبح الرقم أداة سياسية. وعلى أساس هذه التوقعات تحصل ‏الدولة على قرض أكبر من قدرتها، وتلتزم بمشروع أضخم من حاجتها، ثم تجد نفسها بعد ‏سنوات عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها.‏
هنا يتغير معنى الدين.‏
لم يعد الدين مجرد مبلغ مالي مطلوب سداده، بل يتحول إلى وسيلة للضغط: امتيازات نفطية، ‏أو قواعد عسكرية، أو أصوات في المحافل الدولية، أو خصخصة مرافق عامة، أو فتح ‏الأسواق أمام شركات بعينها، أو تغيير قوانين الدولة بما يتفق مع مصالح الدائنين.‏
وتكمن خطورة هذه الآلية في أنها لا تبدو قسرية. فالحكومة وقعت الاتفاق بإرادتها، والبرلمان ‏ربما وافق عليه، والخبراء قدموا دراساتهم، والمؤسسات المالية اتبعت إجراءاتها. كل شيء ‏يبدو قانونيًا، ومع ذلك تكون النتيجة تآكلًا تدريجيًا في استقلال القرار الوطني.‏
إنه نوع من الهيمنة لا يلغي الدولة، بل يترك لها علمها ونشيدها وحدودها ومقعدها في الأمم ‏المتحدة، بينما ينتقل جزء من قرارها الحقيقي إلى من يملك الدين وشروطه.‏
المراحل الثلاث للهيمنة
يقترح بيركنز تصورًا يتكون من ثلاث مراحل.‏
تبدأ المرحلة الأولى بما يسميه “القتلة الاقتصاديين”. وتقوم مهمتهم على الإقناع والإغراء: ‏قروض كبيرة، ومشروعات ضخمة، ووعود بالنمو والازدهار، وعلاقات وثيقة مع النخب ‏السياسية والاقتصادية.‏
فإذا رفض الحاكم الصفقة، أو حاول استعادة السيطرة على موارد بلاده، تأتي المرحلة الثانية ‏التي يسمي أصحابها “الضباع”‏‎ ‎أوJackals‏ ‏‎ ‎وهنا تنتقل الأدوات من الاقتصاد إلى العمليات ‏السرية: زعزعة الاستقرار، ودعم قوى محلية موالية، وتمويل الانقلابات، والتهديد، وربما ‏الاغتيال.‏
أما إذا فشلت الأداتان، فقد تأتي المرحلة الثالثة: التدخل العسكري المباشر.‏
ويستدعي بيركنز في هذا السياق تجارب تاريخية متعددة، من إيران وبنما والإكوادور إلى ‏السعودية والعراق. ويقرأها باعتبارها صورًا مختلفة لمنظومة واحدة تتبدل أدواتها، بينما يظل ‏هدفها ثابتًا: السيطرة على الموارد والأسواق والقرار السياسي.‏
قد يختلف المؤرخون والاقتصاديون حول مدى انطباق هذا النموذج على كل حالة، لكن الكتاب ‏ينجح في لفت النظر إلى حقيقة أوسع: القوة لم تعد تمارس نفوذها بالأداة العسكرية وحدها، بل ‏تستخدم المال والديون والتكنولوجيا والعقود والمؤسسات، بل وحتى لغة التنمية ذاتها.‏
محمد مصدق: النموذج المبكر
يستحضر بيركنز انقلاب إيران سنة ‏‎1953 ‎باعتباره النموذج المبكر لما يمكن أن تفعله القوة ‏الخارجية من دون غزو عسكري شامل.‏
كان محمد مصدق زعيمًا وطنيًا ورئيسًا للوزراء، وقاد قرار تأميم صناعة النفط التي كانت ‏تهيمن عليها شركة النفط الأنجلو–إيرانية، التي أصبحت لاحقًا شركة ‏‎«‎بريتيش بتروليوم‎» ‎المعروفة باسم BP.‏
ردت بريطانيا بحصار اقتصادي وضغط دولي، ثم اشتركت الاستخبارات البريطانية ‏والأمريكية في عملية سرية لإسقاط حكومته.‏
وتثبت الوثائق الأمريكية التي رُفعت عنها السرية أن وكالة الاستخبارات المركزية شاركت ‏بالفعل في التخطيط للانقلاب وتنفيذه، وأن كيرميت روزفلت، حفيد الرئيس الأمريكي تيودور ‏روزفلت، كان المسؤول الميداني الأمريكي عن العملية.‏
استخدمت العملية الدعاية والتأثير في الصحافة، والاتصالات بالسياسيين والعسكريين، وتعبئة ‏قطاعات من الشارع، ودعم الجنرال فضل الله زاهدي ليحل محل مصدق في رئاسة الحكومة.‏
وانتهت الأحداث بالهجوم على منزل مصدق، وسيطرة قوات مؤيدة للشاه على إذاعة طهران، ‏ثم استسلامه في اليوم التالي. وحُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات، ثم ظل تحت الإقامة الجبرية ‏حتى وفاته سنة ‏‎1967.‎
عاد الشاه محمد رضا بهلوي إلى إيران، وتعزز نفوذ الشركات الغربية في صناعة النفط، بينما ‏أصبح انقلاب عام ‏‎1953 ‎جرحًا عميقًا في الذاكرة الإيرانية، ومصدرًا دائمًا للشك في النيات ‏الأمريكية والغربية.‏
لكن بيركنز لا يعرض قصة مصدق باعتبارها واقعة تاريخية منعزلة، بل باعتبارها رسالة ‏تهديد ضمنية أُرسلت، وفق تصوره، إلى حكام آخرين: اقبلوا الصفقة، وإلا فقد تلقون المصير ‏نفسه.‏
ففي حديثه عن الاتفاقات الأمريكية–السعودية، يقول بيركنز إن المبعوث الأمريكي كان سيذكّر ‏الأسرة الحاكمة بما جرى لمصدق حين حاول إبعاد المصالح النفطية البريطانية، قبل أن يقدم ‏إليها العرض الأمريكي.‏
ويلتزم بيركنز هنا قدرًا مهمًا من الحذر؛ إذ يصرح بأنه لم يعرف يقينًا هوية ذلك المبعوث، ‏وإنما رجح أنه كان هنري كيسنجر. وهذه الإشارة تكشف طبيعة الكتاب نفسه: فهو يجمع بين ‏التجربة الشخصية المباشرة، وما سمعه المؤلف داخل دوائر عمله، وبين استنتاجاته اللاحقة ‏ومحاولته ربط أحداث متباعدة داخل منظومة واحدة.‏
السعودية: الصفقة بدل الانقلاب
في الحالة السعودية، يصف بيركنز نموذجًا مختلفًا للهيمنة؛ لم يحتج إلى انقلاب أو تدخل ‏عسكري، بل قام على اتفاق تتشابك فيه المصالح.‏
بعد الارتفاع الكبير في أسعار النفط خلال سبعينيات القرن العشرين، تراكمت لدى المملكة ‏العربية السعودية فوائض مالية ضخمة. وكان التحدي الأمريكي هو ضمان استمرار تدفق ‏النفط، والحفاظ على ارتباط المملكة بالاقتصاد والسياسة الأمريكيين.‏
وفق رواية بيركنز، قامت الصفقة على استثمار جانب من العائدات النفطية السعودية في ‏أوراق مالية أمريكية، واستخدام العوائد في تمويل مشروعات واسعة للبنية الأساسية داخل ‏المملكة، تتولى تنفيذها شركات أمريكية.‏
حصلت السعودية على طرق ومدن ومحطات كهرباء ومنشآت حديثة، وحصلت الشركات ‏الأمريكية على عقود هائلة، وعادت نسبة كبيرة من الأموال إلى الاقتصاد الأمريكي، بينما ‏ترسخ تحالف استراتيجي يقوم على تبادل الحماية والمصالح.‏
والسؤال هنا ليس ما إذا كانت السعودية استفادت من هذه المشروعات؛ فقد حققت المملكة ‏بالفعل تحولًا عمرانيًا واقتصاديًا واسعًا. السؤال الأعمق هو: متى يتحول تشابك المصالح إلى ‏اعتماد سياسي، ومتى يصبح الاعتماد قيدًا على حرية القرار؟
وهذا هو جوهر أطروحة بيركنز؛ فالهيمنة الحديثة لا تعني دائمًا أن يخسر طرف كل شيء ‏ويربح الآخر كل شيء. قد يستفيد الطرفان، لكن أحدهما يظل أقدر على تحديد قواعد العلاقة، ‏وتغيير شروطها، واستخدامها عند الاختلاف.‏
العراق: عندما تنتهي لغة العقود
يقدم بيركنز العراق باعتباره مثالًا على انتقال التعامل من مرحلة إلى أخرى.‏
كانت البداية، في قراءته، بمحاولات إدماج النظام العراقي في شبكة من المصالح الاقتصادية ‏والنفطية والاستراتيجية. وعندما تعذر الوصول إلى العلاقة المطلوبة، بدأت الضغوط ‏والعقوبات ومحاولات تغيير السلوك السياسي. ثم انتهى المسار بالتدخل العسكري المباشر سنة ‏‎2003.‎
ولا يعني ذلك أن تاريخ العراق، أو قرار غزوه، يمكن تفسيره بسبب اقتصادي واحد؛ فقد ‏تداخلت فيه اعتبارات النفط والأمن والسياسة الإقليمية وأحداث الحادي عشر من سبتمبر ‏والادعاءات المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل.‏
لكن بيركنز يريد أن يقول إن القوة العسكرية لا تبدأ عادة من فراغ؛ بل تأتي أحيانًا بعد فشل ‏أدوات النفوذ الاقتصادي والسياسي في إنتاج النتيجة المطلوبة.‏
هل القروض شر في ذاتها؟
سيكون من الخطأ أن نخرج من الكتاب باستنتاج مبسط يقول إن كل قرض مؤامرة، أو إن كل ‏استثمار أجنبي صورة من صور الاحتلال.‏
لقد قامت تجارب تنموية ناجحة على القروض والاستثمارات ونقل التكنولوجيا. واستطاعت ‏دول عديدة استخدام التمويل الخارجي لبناء بنية أساسية قوية، وتطوير التعليم والصحة، ‏وزيادة قدرتها الإنتاجية، ثم سداد ديونها من العائد الحقيقي لهذه المشروعات.‏
إذن، المشكلة ليست في القرض ذاته، بل في طبيعة المشروع، وشروط التمويل، وشفافية ‏التعاقد، وتوزيع المنافع والمخاطر.‏
هل يمول القرض مشروعًا يحتاجه المجتمع بالفعل، أم مشروعًا تحتاجه الشركة التي ستنفذه؟
هل يزيد المشروع قدرة الدولة على الإنتاج والتصدير، أم يزيد استهلاكها واعتمادها على ‏الخارج؟
هل تُعلن شروط التعاقد للرأي العام، أم تبقى حبيسة الغرف المغلقة؟
هل يذهب عائد المشروع إلى المجتمع، أم تستفيد منه فئة محدودة بينما يتحمل الجميع تكلفة ‏الدين؟
وهل تستطيع الدولة رفض الشروط السياسية المصاحبة للتمويل، أم أن حاجتها إلى المال قد ‏سبقت قدرتها على الاختيار؟
هذه الأسئلة هي التي تفرق بين قرض يدعم التنمية وقرض يصنع التبعية.‏
الشريك المحلي
يلقي الكتاب معظم الضوء على القوة الخارجية، لكن قراءتي له تجعلني أرى أن “القاتل ‏الاقتصادي”‏‎ ‎لا يستطيع إنجاز مهمته وحده.‏
كل منظومة للهيمنة تحتاج إلى شريك محلي: مسؤول يقبل دراسة جدوى يعلم أنها مبالغ فيها، ‏أو حكومة تبحث عن إنجاز سريع ولو كان ثمنه دينًا طويل الأجل، أو نخبة تحصل على ‏الأرباح وتترك الخسائر للمجتمع، أو مؤسسات رقابية عاجزة، أو رأي عام لا يملك المعلومات ‏اللازمة للمساءلة.‏
من السهل أن نحمّل الخارج كل المسؤولية، وأن نرى أنفسنا ضحايا أبرياء لمؤامرة كاملة. ‏لكن هذا التصور، رغم ما يوفره من راحة نفسية، يسلبنا القدرة على فهم أخطائنا وإصلاحها.‏
فالقوى الكبرى تبحث عن مصالحها، وهذا ليس سرًا. والشركات تبحث عن الأسواق والأرباح، ‏والمؤسسات المالية تحمي أموالها ونفوذها. أما المسؤولية الأولى للدولة الوطنية فهي أن ‏تعرف مصالحها هي، وأن تفاوض من موقع المعرفة، وألا تخلط بين ضخامة المشروع ‏وقيمته، ولا بين سهولة الحصول على المال والقدرة على سداده.‏
الدولة القوية ليست التي ترفض التعامل مع العالم، بل التي تدخل إليه وهي تعرف ما تريد، ‏وما تستطيع تحمله، وما لا يجوز لها التنازل عنه.‏
الديون وحقوق الأجيال
هناك بعد أخلاقي آخر لا ينبغي تجاهله. فالحكومة التي تقترض اليوم لا تسدد وحدها غدًا. قد ‏توقع السلطة عقدًا يمتد عشرين أو ثلاثين عامًا، بينما يتحمل أقساطه مواطنون لم يشاركوا في ‏اتخاذ القرار، وربما أطفال لم يولدوا بعد.‏
لذلك فإن الدين العام ليس شأنًا ماليًا يخص وزارة المالية أو البنك المركزي وحدهما، بل قضية ‏تتعلق بالديمقراطية وحقوق الأجيال.‏
من يملك حق إلزام المستقبل بقرارات الحاضر؟
وما حدود اقتراض جيل على حساب جيل آخر؟
وهل يجوز أن نترك لأبنائنا طرقًا ومباني لامعة، لكننا نترك معها ديونًا تستنزف مواردهم ‏وتقيد خياراتهم؟
لا تُقاس جدوى المشروع بقيمة ما أُنفق عليه، ولا بحجمه، ولا بسرعة افتتاحه، بل بمقدار ما ‏يضيفه إلى القدرة الإنتاجية للمجتمع، وبقدرته على تحسين حياة المواطنين وتوليد الموارد ‏اللازمة لسداد تكلفته.‏
قيمة الكتاب وحدوده
لا أقرأ “اعترافات قاتل اقتصادي”‏‎ ‎باعتباره وثيقة قضائية تثبت كل ما جاء فيها، ولا باعتباره ‏تفسيرًا وحيدًا لجميع التحولات السياسية والاقتصادية في العالم.‏
فالكتاب يعتمد بدرجة كبيرة على شهادة مؤلفه وذاكرته واستنتاجاته، ويقدم أحيانًا أحداثًا شديدة ‏التعقيد داخل إطار تفسيري واحد. وبعض الوقائع التي يربطها بيركنز بالمنظومة الاقتصادية ‏تحتاج إلى أدلة أكثر مما يقدمه الكتاب.‏
لكن قيمة الكتاب لا تسقط بسبب ذلك.‏
فقيمته الأساسية أنه يكشف الجانب السياسي والأخلاقي للغة اقتصادية تبدو محايدة. إنه يدعونا ‏إلى ألا ننخدع بالأرقام لمجرد أنها وُضعت في جداول، ولا بدراسات الجدوى لمجرد أن خبراء ‏دوليين أعدوها، ولا بكلمة “التنمية”‏‎ ‎لمجرد أنها تتصدر عقدًا ضخمًا.‏
فالأرقام قد تصف الواقع، وقد تستخدم أيضًا لصناعة واقع يخدم مصالح من اختار افتراضاتها.‏
والتنمية قد تكون طريقًا إلى التحرر، وقد تتحول إلى باب للتبعية، إذا لم تقترن بالمعرفة ‏والشفافية والمحاسبة والإرادة الوطنية.‏
بعد إغلاق الكتاب، لم يكن السؤال الذي بقي في ذهني هو: هل يوجد بالفعل أشخاص يحملون ‏رسميًا لقب “قاتل اقتصادي”؟
بل كان السؤال الأهم:‏
كم من قرار نظنه وطنيًا، بينما كُتبت حدوده قبل سنوات في عقد قرض لم يقرأه الشعب؟
إن الاستقلال في عصرنا لا تحميه الجيوش وحدها. تحميه كذلك كفاءة الإدارة، واستقلال ‏المعرفة، وشفافية القرار، واقتصاد ينتج قبل أن يقترض، ومجتمع يملك الحق في أن يعرف ‏باسم من تُعقد الصفقات، ومن ينتفع بها، ومن سيدفع ثمنها.‏
فالدولة قد تُحتل مرة بالقوة، لكنها قد ترهن مستقبلها بإرادتها عندما تستدين بلا رؤية.‏
وهذه، في تقديري، هي الرسالة الأعمق التي تستحق أن نحتفظ بها من اعترافات جون بيركنز.‏

وانا أقرأ الكتاب جاء الي ذهني أن هدف “القاتل الاقتصادي”‏‎ ‎قد لا يقتصر على إخضاع ‏الدولة المقترضة نفسها، بل قد يمتد إلى استخدامها أداةً للضغط على دولة أخرى؛ ولعل تمويل ‏سدّ النهضة في إثيوبيا يقدم نموذجًا جديرًا بالتأمل، إذ لا يقتصر أثره على تنمية الدولة التي ‏حصلت على التمويل، بل يمنح لدول اخري مُقرصة قدرة مستقبلية على التأثير في مصر ‏ووضعها تحت ضغط غير مسبوق في تاريخها الحديث، من خلال التحكم في تدفقات نهر ‏النيل، شريان وجودها وحياتها.‏

شاهد أيضاً

سويلم: توسيع الشراكة المائية مع أوزبكستان وتحويل مذكرة التفاهم بين البلدين إلى مشروعات وأنشطة عملية

الدكتور سويلم يستقبل سفير أوزبكستان بالقاهرة لبحث تعزيز التعاون في مجالات الموارد المائية والري وتفعيل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *