كان المطر يتساقط بغزارة على زجاج النافذة ، لكن البرد الذي يسكن في جدران أروقة المبنى الإداري للهيئة كان أشد قسوة . خرج “زياد” من مكتب رئيس الهيئة مشدود القامة ، رغم الصخرة التي سقطت على صدره للتو ، قبل دقائق فقط . كان يجلس في مواجهة المسؤول الكبير ، الذي قاطعه ببرود وهو يقلب صفحات ملف العرض المسرحي الضخم الذي عمل عليه سامح مع طلابه لستة أشهر متواصلة ،
“يا دكتور زياد ، كفاك تنظيراً عن صناعة الوجدان ، ورسالة الفنون . الجمهور اليوم يريد تسلية خفيفة ، والإدارة لها حسابات وأولويات تختلف عن أحلامك الفنية . مشروعك معقد ومكلف ، وقررنا استبداله بعرض آخر يتناسب مع احتفالية ختام الموسم”.
حاول سامح الضغط على أعصابه ، أجاب بصوت متزن يغلي تحته البركان ، “يا فندم ، هذا العمل ليس مجرد عرض فني الغرض منه الترفيه ، إنه تدريب لطلابنا على فهم قضايا الإنسان ، على البحث عن الذات… كيف نطلب منهم التنازل قبل أن يبدأوا خطواتهم الأولى؟”.
أغلق المسؤول الملف بتنهيدة حاسمة ، وابتسم إبتسامة باهتة تحمل كل معاني الاستخفاف ،
“نحن في عالم واقعي يا دكتور ، ولست في المدينة الفاضلة . النص ملغى والقرار نهائي .
ركز في عملك ودع الأمور التنظيمية لنا”.
خرج زياد إلى الممر ، وكانت نظرات بعض الزملاء الذين آثروا السلامة والامتثال تبدو وكأنها ترثي حاله ، بينما همس أحدهم في أذنه وهو يمر بجانبه ، “ألم أقل لك؟ لا تسبح عكس التيار يا زياد… في النهاية أنت الخاسر”.
جلس في القاعة المظلمة ، يرتشف مرارة الخيبة . تساءل في لحظة ضعف استبدت به ، هل كان والده مخطئاً؟ هل الفن بالفعل مجرد هامش في دنيا الناس؟.
وفجأة وسط هذا الشك ، ارتدت به الذاكرة عقوداً إلى الخلف…
كانت الشوارع ممطرة أيضاً في ذلك الصباح البعيد ، وهو طفل في التاسعة من عمره ، يمسك بيده الصغيرة يد والده الداعمة . كانا يستقلان وسيلة النقل في طريقهما لأول مرة نحو “أكاديمية الفنون”.
التفت الأب إلى صبيه الصغير ، وبصوت خفيض يمتلئ بالحكمة والوقار ، قال “أتدرك يا بني إلى أين نحن ذاهبان؟ الفن ليس مجرد زينة أو لهو . الفنان والمعلم وجهان لعملة واحدة ، كلاهما يبني في أرض الروح . المعلم يبني العقل ، والفنان ينير الوجدان . كلاهما يصنع الإنسان ، فإن فقدت رسالتك ، فقدت ذاتك… ولا تقاس القيمة بما يراه الآخرون مكسباً أو خسارة”.
كان الطفل يستمع إلى النبرات الدافئة دون أن يستوعب أبعاد الكلمات كاملة ، لكن رنين الصوت ونظرة العينين ظلتا محفورتين في وجدانه .
تحول الطفل إلى أستاذ وفنان ، وصارت كلمات الأب عقيدة عمل . ولكن بعد اللقاء الأخير مع المسؤول ، شعر زياد بثقل هزيمة ظاهرية لا تُطاق .
سار بخطوات ثقيلة نحو قاعة التمارين ليزف إلى طلابه الخبر الحزين . لكنه حين فتح باب القاعة ، لم يجد دموعاً ولا انكاسراً كما توقع .
كانت القاعة مضاءة ببعض كشافات الهواتف المحمولة . الطلاب يلتفون في حلقة ، وعلى أجسادهم أزياء الشخصيات التي صنعوها بأيديهم ومن نفقاتهم الخاصة .
تقدمت منه إحدى الطالبات ، وبدلاً من أن تشتكي، قدمت له كراسة مدوناً فيها النص المسرحي كاملاً بخط أيديهم ، وقالت بابتسامة يملؤها اليقين ، “دكتور زياد.. سمعنا بالقرار . هم ألغوا العرض ، لكنهم لا يستطيعون إلغاء ما غرزته فينا . لقد اتفقنا جميعاً ، سنقدم العرض في ساحة المسرح المفتوح بجهودنا الذاتية ، وسندعو الجمهور بنفسنا”.
ثم تقدمت طالبة اخرى ، كانت في بداياتها تتسم بالاستهتار وعدم الشغف ، لكنها تتحدث الآن بنبرة فتاة ناضجة ،”حضرتك علمتنا إن الفنان مش مجرد موظف ينتظر التصفيق ، الفنان رسالة وموقف . لو تنازلنا النهاردة عشان قرار إداري ، هنفضل طول عمرنا بنتنازل . احنا مش خسرانين يا دكتور… احنا كسبنا أنفسنا بسببك”.
وقف وسطهن ، تنظر عيناه إلى وجوههم المشتعلة بالإيمان والشغف . في تلك اللحظة بالذات ، اختفت كل غيوم الخيبة التي خلفها لقاؤه بالمسؤول . رأى في عيون هؤلاء الشباب غراساً أنبتت وأثمرت ، وشعر أن المعركة لم تكن أبداً خاسرة .
تراجع إلى الخلف خطوة ، ونظر نحو سقف القاعة المظلمة ، وكأن صوت والده يتردد في المكان ملء السمع والبصر ، (كلاهما يعمل على بناء الإنسان…) .
انتهت البروفة الأخيرة على إيقاع الأمل ، وعبرت القاعة المظلمة شرارة استردت نضارتها الأولى . لم يتوقف الشغف عند حدود ساحة المسرح ، بل انطلق الطلاب بثبات نحو المراكز الثقافية ، السفارات ، والجامعات ، يروون قصتهم ويروجون لرسالتهم ، حتى بيعت أكثر من ألفين تذكرة في أيام معدودة .
وفي الليلة الموعودة ، أضيئت ساحة المسرح المفتوح وسط حشد جماهيري غفير تحت رزاز المطر الخفيف . قدم الطلاب أفضل أداء في حياتهم ، أداءً ينبض بالصدق والإيمان ، حتى اهتزت جنبات الساحة بالتصفيق الحار وانهمرت الإشادات من النقاد . سرعان ما تصدر العرض عناوين المواقع الفنية والثقافية ، التي كتبت عن المعجزة الشابة التي أضاءت عتمة الإحباط .
أمام هذا النجاح الجماهيري والإعلامي الهائل ، تغيرت الحسابات الإدارية . اتصل المسؤول الكبير بزياد ، بلهجة تكسوها الندامة والمواربة ، يطلب منه رسمياً نقل العرض إلى المسرح الكبير ليكون واجهة الموسم الفني . تبسم زياد ابتسامة هادئة ، وقبل الطلب لا بدافع الغرور ، بل ليثبت أن العزيمة الصادقة لا تحجبها القرارات .
كان المسرح الكبير مجرد بداية ، إذ انطلق العرض في جولة واسعة طافت مختلف المحافظات ، من الإسكندرية إلى أقصى الصعيد ، يزرع الأمل ويضيء العقول في كل بقعة يحل بها .
ولم تقف الرحلة عند هذا الحد أيضاً ، بل توجت المسيرة بقرار وزاري رسمي يرشح العرض ليمثل مصر في أحد أكبر المهرجانات الفنية الدولية خارج البلاد .
وقف في مطار القاهرة وسط طلابه ، يحملون حقائبهم وأزياءهم بشغف لا يحده أفق . نظر إلى تذكرته ونطق بثقة ، “الفن رسالة تنير الوجدان… ولا ينطفئ قنديل عاهد صاحبه أن يظل مضيئاً”.
انهمرت دمعة دافئة من عينيه ، مسحها بابتسامة رضا واعتزاز ، وقال لطلابه بصوت واثق ،
“إذن… لنبدأ رحلة تشريف بلدنا الحبيب”.
ثم همس في سره بنبض يفيض بالامتنان ،
“شكراً والدي… لقد فهمت الدرس كاملاً الآن”.

جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة