شحاته زكريا يكتب.. ما لا تقوله الجداول المدرسية


​تعلق الورقة المقواة على باب الغرفة أو تحفظ في أول صفحة من الكشكول بخط منمق ومسطرة دقيقة الحصة الأولى لغة عربية، الثانية رياضيات، فسحة قصيرة، ثم علوم ودراسات. جدول مدرسي مرتب بعناية، يعطي انطباعا مريحا بأن كل شيء تحت السيطرة وأن اليوم مقسم بعدالة بين المعرفة والراحة وأن عقل هذا الطفل أو الشاب الصغير يسير في مسار مرسوم لا اعوجاج فيه ​لكن الحقيقة أن هذه الجداول على دقتها تكذب كثيرا.. أو على الأقل تصمت عن أهم ما يحدث للابن في يومه ​لا تقول الجداول المدرسية شيئا عن الدقائق العشر التي يجلس فيها الولد في الفناء وحيدا يتحاشى عيون زملائه لأن حذاءه قديم أو لأن لسانه يتعثر في بعض الكلمات فيخشى أن يفتح فمه فيتحول إلى مادة لسخرية لا ترحم ​ولا تسجل الجداول تلك الحصة الصامتة التي يقضيها التلميذ وعيناه معلقتان بالسبورة بينما عقله معلق في البيت: هل استطاع والده توفير قسط المصاريف المتأخر؟ ولماذا كانت أمه تبكي بصوت مكتوم في المطبخ ليلة البارحة؟ ​التعليم في بلادنا وفي كل مكان غرق في البيروقراطية تعامل مع الطالب كأنه حقيبة فارغة وظيفة المدرسة أن تفرغ فيها خمسين دقيقة من القواعد النحوية وخمسين أخرى من المعادلات الرياضية.ثم تدق الجرس معلنة انتهاء المهمة. نسينا أن المقعد الخشبي لا يجلس عليه مخ مجرد من المشاعر.بل إنسان كامل يمر بأعنف مراحل تشكله النفسي والوجداني يخاف، ويرتبك، ويسأل نفسه كل صباح عن قيمته بين أقرانه ويحمل في صدره براكين من القلق لا تطفئها مسألة حسابية ولا بيت شعر يُطلب منه حفظه عن ظهر قلب ​في تلك المساحات البيضاء الغائبة بين الحصص.تتشكل شخصية الإنسان الحقيقية. هناك يتعلم الطفل درسه الأول في الشجاعة حين يدافع عن زميل أضعف منه أو يتعلم درسه الأول في الخنوع حين يبلع إهانة خوفا من الأقوى. هناك يعرف معنى الخذلان حين يرى معلما يُميّز بين طالب يدفع في مجموعات التقوية وآخر بالكاد يملك ثمن الكراس. هذه الدروس غير المكتوبة هي التي تحفر في الروح وهي التي تبقى بعد أن تمحى قوانين الفيزياء وتواريخ الغزوات من الذاكرة.​والأزمة الكبرى ليست فقط في المدرسة بل في البيوت التي صدّقت الجداول. البيوت التي تحولت إلى امتداد شرطي لإدارة المدرسة يسأل الأب ابنه العائد من اليوم الدراسي عملت إيه في الامتحان؟ ولا يسأله قط: “هل ضايقك أحد اليوم؟ هل شعرت أنك بخير؟. نسينا كيف ننظر في عيون أولادنا لنقرأ ما وراء الإجابات المقتضبة. نسينا أن الولد قد يعود حاملاً الدرجة النهائية في العلوم لكنه يعود مهزوما من الداخل لأن فكرة غبية استقرت في رأسه مفادها أنه لا يستحق أن يكون محبوبا إلا إذا كان متفوقا ​الجداول المدرسية صامتة أيضا عن الفروق التي خلقها الله فينا. الجدول يعامل ابن القرية وابن المدينة والطفل الذي يمتلك موهبة فطرية في الرسم والآخر الذي خلق بذكاء حركي لا يطيق الجلوس لسبع ساعات متواصلة.. يعاملهم جميعا كقطع طوب متطابقة يجب أن تكبس في قالب واحد. والنتيجة؟ جيل يتخرج وهو يعرف كيف يحل نماذج الامتحانات بدقة عمياء لكنه يقف عاجزا ومرتعبا أمام أول مشكلة حقيقية تطرحها الحياة خارج سور المدرسة. ​لسنا ضد الانضباط ولا نقلل من قيمة تحصيل العلم لكن التعليم الحقيقي هو ما يحدث حين يتعطل الجدول حين يجد الطالب معلما يلمح انكسارا في عينيه فيستبقيه بعد الحصة ليقول له: أنا واثق فيك أو حين يعود إلى بيت لا يقايض محبته بدرجات الشهادة الشهرية.
​المستقبل لا تصنعه المناهج المحشوة التي تُنسى بمجرد الخروج من اللجان بل تصنعه تلك المناعة النفسية والأخلاقية التي نغرسها في الطفل وهو يعبر سنوات دراسته. فإذا كانت المدارس مجبرة بحكم النظام على رصّ المواد في جداول جامدة فإن واجبنا في البيوت ألا نبتلع هذه الكذبة وأن نبحث دائما عما لم يقله الجدول وعما سكتت عنه الدفاتر.

شاهد أيضاً

د. عصام محمد عبد القادر يكتب.. مصر التاريخية في عهد القيادة السياسية

حضارة تضرب بجذورها في أعماق الزمان لتبوح بأسرار البقاء وتكتب على جدران التاريخ قصة أمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *