مأمون الشناوي يكتب.. رسالة من أبي !!

يبدو أن ماطرحته في مقال الأمس من تساؤلات شجية اللحن حزينة العبرات زائغة العينين ، قد أقضت مضجع أبي في مرقده الأخير ، فبادر وهو الذي ما تأخر عني يوماً ، ولا سوف لي طلباً ، ولا أجل لي رغبة ، بادر بالرد عليّ عبر الأثير في رسالة موجزة ، حين فضضت أغلفتها عانقتني سطورها التالية :
ولدي العزيز :
ساءلتني كيف نجونا من مُعترك الحياة ، وكيف تحملنا مسؤولية تربيتكم وتعليمكم ، حتي وصلتم إلي ما أنتم عليه اليوم ، من ثقافة رفيعة ، ووعيّ عالٍ ، وتدين صحيح ، وتعليم جيد ، ومعرفة موسوعية ، واستقامة وحسن خلق !!.
كيف فعلنا ذلك دون معاناة أو مكابدة !!.
الأمر يسير ياولدي ؛ فمرجعه إلي عاملين لا ثالث لهما :
الأول : أننا كنا نسبح في بحيرة هادئة من ماء رقراق سلسبيل ، وأنتم تخوضون بحراً هائج الأمواج ، صاخبة لجته محمومة التيار ، كنا في مجتمع تسوده المودة والرحمة والطيبة وصفاء القلب ونقاء السريرة والعفوية حد السذاجة والقناعة والرضا ، أبواب البيوت لا تغلق ، كل الطعام كان حلاً لكل مارٍ جائع أو عابر سبيل ، كسرة خبز وشربة ماء تقهر الجوع وتطفئ الظمأ ، نحمد الله عليها ، ننام ملء جفوننا ، ثم نستقبل يومنا بعناق نسمات الفجر واستنشاق عبير تواشيحه وتلاوته !!.
أنتم اليوم في ضجيج يصم الآذان ، نهاركم ليل ، وليلكم نهار ، أدخلتم أنفسكم في محرقة استهلاك سفيه ، ودوامة تطلعات فوق احتمالكم ، فلا متعة أصبتم ، ولا سعادة جنيتم ، ولا راحة بال عرفتم ، ولاعلماً أدركتم ، ولا مالاً حصدتم ، وها أنتم تسبحون في غمار ماء آسن ، يكاد من هياج فيضانه أن يغرقكم !!.
العامل الثاني ياولدي : أن الله رزقنا برجل شريف عفيف ، نظيف اليد والقلب ، صادق الوعد والنية ، سليم الجنان والوجدان ، اسمه { جمال عبد الناصر } ، هذا الرجل ياولدي مد يده بقوة نحوكم ، واحتواكم ، أخذكم في أحضانه ، قال لنا أولادكم أولادي ، دعوهم لي ، أنا كفيل بتربيتهم ، وتعليمهم ، وتوظيفهم ، وتحقيق ما يتمنون ومالا يحلمون ، انصرفوا أنتم إلي حياتكم ، الفلاح في أرضه ، والعامل في مصنعه ، وهم في مدارسهم وجامعاتهم !!.
صدقني ياولدي ، لقد كانت الناس تسألني أحياناً عن سنوات دراستكم فلا أجيب خجلاً ، فأنا لا أعرف ، لقد سلمناكم ليد أمينة حريصة تكفلت بكم عنا !!.
اليوم ، أولادكم كاليتامي ، بعدما رفعت الدولة سترها وغطاءها عنهم ، مثل طائرة ألقت بحمولتها في الصحراء ، ثم أقلعت ، تاركة ركابها للتيه والضياع والتشريد ، وقسوة الصحراء ، وعرضة لافتراس الضواري والوحوش !!.
طويت رسالة أبي ، وغمغمت طويلاً ، ثم رجوته أن يدعو لنا وهو في مقعده من الجنة ، وكفكفت عبرات تدفقت علي وجنتي بأطراف رسالته !!.

شاهد أيضاً

د. فتحي الشرقاوي يكتب.. ما تجيش على المظلوم

تخيل يامحترم نبقى قاعدين في قاعدة صلح بين اتنينواحد منهم كلنا عارفين أنه ظالم،وعارفين ومتأكدين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *