يبدو أن ماطرحته في مقال الأمس من تساؤلات شجية اللحن حزينة العبرات زائغة العينين ، قد أقضت مضجع أبي في مرقده الأخير ، فبادر وهو الذي ما تأخر عني يوماً ، ولا سوف لي طلباً ، ولا أجل لي رغبة ، بادر بالرد عليّ عبر الأثير في رسالة موجزة ، حين فضضت أغلفتها عانقتني سطورها التالية :
ولدي العزيز :
ساءلتني كيف نجونا من مُعترك الحياة ، وكيف تحملنا مسؤولية تربيتكم وتعليمكم ، حتي وصلتم إلي ما أنتم عليه اليوم ، من ثقافة رفيعة ، ووعيّ عالٍ ، وتدين صحيح ، وتعليم جيد ، ومعرفة موسوعية ، واستقامة وحسن خلق !!.
كيف فعلنا ذلك دون معاناة أو مكابدة !!.
الأمر يسير ياولدي ؛ فمرجعه إلي عاملين لا ثالث لهما :
الأول : أننا كنا نسبح في بحيرة هادئة من ماء رقراق سلسبيل ، وأنتم تخوضون بحراً هائج الأمواج ، صاخبة لجته محمومة التيار ، كنا في مجتمع تسوده المودة والرحمة والطيبة وصفاء القلب ونقاء السريرة والعفوية حد السذاجة والقناعة والرضا ، أبواب البيوت لا تغلق ، كل الطعام كان حلاً لكل مارٍ جائع أو عابر سبيل ، كسرة خبز وشربة ماء تقهر الجوع وتطفئ الظمأ ، نحمد الله عليها ، ننام ملء جفوننا ، ثم نستقبل يومنا بعناق نسمات الفجر واستنشاق عبير تواشيحه وتلاوته !!.
أنتم اليوم في ضجيج يصم الآذان ، نهاركم ليل ، وليلكم نهار ، أدخلتم أنفسكم في محرقة استهلاك سفيه ، ودوامة تطلعات فوق احتمالكم ، فلا متعة أصبتم ، ولا سعادة جنيتم ، ولا راحة بال عرفتم ، ولاعلماً أدركتم ، ولا مالاً حصدتم ، وها أنتم تسبحون في غمار ماء آسن ، يكاد من هياج فيضانه أن يغرقكم !!.
العامل الثاني ياولدي : أن الله رزقنا برجل شريف عفيف ، نظيف اليد والقلب ، صادق الوعد والنية ، سليم الجنان والوجدان ، اسمه { جمال عبد الناصر } ، هذا الرجل ياولدي مد يده بقوة نحوكم ، واحتواكم ، أخذكم في أحضانه ، قال لنا أولادكم أولادي ، دعوهم لي ، أنا كفيل بتربيتهم ، وتعليمهم ، وتوظيفهم ، وتحقيق ما يتمنون ومالا يحلمون ، انصرفوا أنتم إلي حياتكم ، الفلاح في أرضه ، والعامل في مصنعه ، وهم في مدارسهم وجامعاتهم !!.
صدقني ياولدي ، لقد كانت الناس تسألني أحياناً عن سنوات دراستكم فلا أجيب خجلاً ، فأنا لا أعرف ، لقد سلمناكم ليد أمينة حريصة تكفلت بكم عنا !!.
اليوم ، أولادكم كاليتامي ، بعدما رفعت الدولة سترها وغطاءها عنهم ، مثل طائرة ألقت بحمولتها في الصحراء ، ثم أقلعت ، تاركة ركابها للتيه والضياع والتشريد ، وقسوة الصحراء ، وعرضة لافتراس الضواري والوحوش !!.
طويت رسالة أبي ، وغمغمت طويلاً ، ثم رجوته أن يدعو لنا وهو في مقعده من الجنة ، وكفكفت عبرات تدفقت علي وجنتي بأطراف رسالته !!.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة