يقدم الكاتب كمال يونس في مجموعته القصصية “بكاء الملائكة” وثيقة إبداعية تنطلق مما أسماه في مقدمته “رحم المعاناة والمخاض المؤلم”. وتكشف القراءة المتفحصة لهذه المجموعة عن بنية سردية ذات أبعاد نقدية وفلسفية عميقة، تتجاوز مجرد الحكي اليومي لتشتبك مع أسئلة الوجود، والأخلاق، والتحولات الاجتماعية والسياسية.
تتحرك نصوص المجموعة في فضاء فلسفي يمزج بين عدة تيارات، أبرزها:
- العدالة المطلقة والجزاء الكوني
يهيمن على المجموعة مفهوم فلسفي قديم وهو “العدالة الكونية الردعية”. فمعظم الشخوص الطاغية، أو المغرورة، أو الفاسدة لا تجد عقابها عبر المؤسسات القانونية الأرضية (التي غالبًا ما تظهر عاجزة أو متواطئة كما في قصة قتل إداري ويحفظ)، بل يأتي العقاب عبر “مكر التاريخ” أو التدخل الكوني المباغت.
في قصة وأضاءت الصالة، يرتد غرور الممثل عليه عبر انسحاب جماعي يحوله من مركز الضوء إلى عتمة الهامش.
في قصة الجابي وذكريات بائسة، تتدخل الحوادث القدرية (الزيت المنسكب، مقطورة الأحجار) كأدوات لتطهير العالم من الأشرار الذين ألقوا ضمائرهم في الجب. - فلسفة الأخلاق وسقوط الأقنعة (الوجودية والبراغماتية)
تطرح المجموعة تساؤلًا فلسفيًا حول “الماهية والأصالة”. هل الإنسان هو ما يدعيه أم ما يمارسه؟
تكشف قصة الدجال عن زيف المثقف الذي يحفظ المصطلحات الغربية (الهرمنيوطيقا، البنيوية، السيميولوجيا) دون وعي حقيقي، فيتحول إلى دجال يمارس الشعوذة بتلك المصطلحات في القرية، ثم يعود ليمارس الدجل نفسه في “وسط البلد” برداء حداثي. هنا إدانة فلسفية لـ “التشيؤ” وتحول المعرفة إلى أداة سلطوية لافتراس الوعي البسيط. - جدلية السيد والعبد (الهيجلية)
تتجلى هذه الجدلية في قصص مثل الأغلال والرامورا والموقف. يدرس الكاتب سايكولوجية “الرجل الثاني” أو “التابع” الذي يتنازل عن حريته طواعية ليصبح سوطًا في يد الطاغية. في قصة الرامورا، نرى فلسفة المنفعة البراغماتية في أحط صورها (عاش الحوت مات القرش)، حيث تلتصق الأسماك الصغيرة بمصدر القوة والفضلات، مما يوضح أن العبودية ليست دائمًا قهرًا خارجيًا، بل هي خيار داخلي أحيانًا.
تتوزع قصص المجموعة على عدة محاور موضوعية تشرح الواقع الإنساني:
- عطب النخبة والمؤسسات (نقد البيروقراطية والسلطة)
يقدم الكاتب تشريحًا قاسيًا لمجتمع الإدارة والسياسة والثقافة في قصص مثل: اختطاف وزير، أسدل الستار، شهيق وزفير، وربنا أمر بالستر.
الوزير في المجموعة “مختطف” بالمعنى الفلسفي؛ إذ تحجبه حاشية من “السوس” عن الواقع، والمسؤولون يعيشون في حالة “تدوير المخلفات الإدارية”. هناك رصد دقيق لـ “النفاق الجمعي” حيث تنقلب عواصف التصفيق من نقيض إلى نقيض بمجرد صدور قرار الإقالة أو التعيين. - اغتراب الفرد وانكسار العلاقات الإنسانية
تناقش قصص مثل يا ليتني ووعاد إلى بيت أهله والذبول تفكك الروابط الأسرية في ظل القوانين الجافة وصعود النزعة الفردية والاستهلاكية. يُظهر الكاتب كيف تتحول محكمة الأسرة وقضايا النفقة والتبديد إلى مسرح للعرائس المربوطة بخيوط القهر، وكيف يساء استخدام شعارات “استقلال المرأة” لتدمير البيوت، أو كيف تفضل بعض الشخصيات (كما في قصة الذبول) الخشونة والإيذاء على المثالية والرقة كنوع من المازوخية النفسية.
في قصة العظمة الذهبية، يمارس الكاتب هجاءً كاريكاتوريًا لاذعًا لـ “الطبقة الطفيلية” (أغنياء الأزمات) التي تقيم عروض أزياء وحفلات نفسية لكلابها، ليعاجلها الواقع بهجوم خاطف من “كلاب الشوارع” (التي ترمز للطبقات المهمشة المسحوقة)، مما يؤدي إلى تمزيق هذا الزيف الطبقي. وفي المقابل، تبرز قصة جناح الأصيل الطبقية الأكاديمية التي تحارب الموهوب لمجرد أنه “صعيدي فقير لا يمتلك الوسامة أو الحسب”.
عنوان المجموعة “بكاء الملائكة” يحمل مفارقةأكسيمورونيةالمفارقة أو التناقض الظاهري / Oxymoron) هي أداة بلاغية تجمع بين كلمتين أو مفهومين متناقضين تماماً في عبارة واحدة. تُستخدم هذه المفارقة لجذب الانتباه، إبراز المعنى، إضافة لمسة فكاهية، أو إظهار تعقيد المشاعر والمواقف التي نعيشها ؛ فالملائكة كائنات نورانية طاهرة لا تبكي إلا لعظم الفجيعة الإنسانية. القصص بمجملها رصد لأسباب هذا البكاء الكوني: الظلم، الخيانة، الغرور، وضياع البراءة (كما في قصة العنوان حيث يضحي العريس بحبه إكرامًا لدموع طفل وزوجته السابقة).
2. لغة السرد والإيقاع
التكثيف والمفارقة: يعتمد الكاتب على “القصة الوجيزة” المكثفة التي تنتهي بـ “ضربة تنويرية” (تقلب التوقعات (مثل قصة طبعًا.. لا، ولم يحضر أحد).
المسرحة وثنائية الإضاءة: تأثر الكاتب بالعمل المسرحي واضح في قصصه؛ فالإضاءة والعتمة، والمنصة والصالة (كما في وأضاءت الصالة وبانتوميم) ليست مجرد ديكورات، بل هي أدوات وجودية تعبر عن الظهور والاختفاء، والاعتراف والإنكار.
3. النزعة الرمزية
يستخدم الكاتب الرمز الحيواني والأسطوري بكثافة؛ فالغراب والصقر والنسر والكروان في قصة واستمر الكروان يغرد هي إسقاطات واضحة على صراع الاستبداد والحرية، حيث ينتصر الكروان (الحق/ التوحيد/ الفطرة) في النهاية بفلسفة الصبر الصامد. وقصة العبث على الرمال تستدعي التاريخ والرمز (زرقاء اليمامة، عنترة، قيس) لتعبر عن العجز العربي المعاصر حيث الأنين رفاهية والشفاه مخيطة.
تعد مجموعة “بكاء الملائكة” للدكتور كمال يونس صرخة أخلاقية برداء أدبي. إنها لا تقف عند حدود رصد القبح الاجتماعي، بل تبحث عن “الفطرة الصادقة” والخير الكامن (كما في قصة عوض الله وشعاع).
كذلك تعلن المجموعة انحيازها التام لـ “سلطة الضمير” وتؤكد أن الطغيان والزيف -سواء كان سياسيًا، أو أكاديميًا، أو ثقافيًا، أو أسريًا- يحمل في طياته بذور فنائه الحتمي، وأن الوجود الإنساني لا يستقيم إلا إذا عادت “الملائكة” تبتسم بدلاً من أن تبكي.
الزمان والمكان
عند تفكيك بنيتي الزمان والمكان في مجموعة “بكاء الملائكة” ، نجد أنهما لا يعملان كإطارين هندسيين أو فيزيائيين جامدين لتأطير الأحداث، بل يتحولان إلى أدوات فلسفية وسيكولوجية تسهم في تعميق الدلالة وتجسيد الصراع الإنساني.
يتجاوز الزمان في المجموعة مفهوم “الساعة والرزنامة” ليصبح زمنًا وجوديًا مشحونًا بالدلالات، ويمكن تقسيمه إلى عدة تجليات:
- الزمن الدائري (عبثية التكرار)
في العديد من القصص (مثل الدجال والرامورا وتدوير النفايات الإدارية)، يظهر الزمن كحلقة مفرغة (الشخصيات لا تتقدم نحو المستقبل، بل تعيد إنتاج الماضي بأقنعة جديدة. المثقف الذي يتحول إلى دجال في القرية ثم في المدينة يعكس زمنًا راكدًا لا يتطور، حيث تتكرر آليات الجهل والقهر والانتهازية عبر الأجيال، وهو ما يتقاطع مع فلسفة “العود الأبدي” عند نيتشه، حيث يعيد التاريخ إنتاج عبثيته. - زمن الفجيعة والمفارقة (اللحظة الخاطفة)
يعتمد الكاتب على تقنية “تكثيف الزمن”؛ فالتحولات الكبرى في مصائر الشخصيات لا تستغرق عقودًا، بل تحدث في “لحظة تنويرية” مباغتة
لحظة سقوط الممثل في وأضاءت الصالة.
لحظة انسكاب الزيت أو ارتطام المقطورة في الجابي وذكريات بائسة.
الزمن هنا هو زمن “العدالة الكونية” الخاطفة التي تأتي بغتة لتهدم عروشًا من الوهم والظلم بُنيت عبر سنين طويلة، مما يعكس رؤية فلسفية مفادها أن الباطل، مهما طال زمنه الأفقي، فإن زمنه العمودي (لحظة انهياره) خاطف وحتمي. - استدعاء الزمن التاريخي/ الأسطوري (اللا-زمن)
في قصص مثل العبث على الرمال وواستمر الكروان يغرد، يتماهى الزمن المعاصر مع الزمن الأسطوري والتاريخي (زرقاء اليمامة، عنترة). هذا “التراسل الزمني” يفيد بأن الأزمات العربية والإنسانية الراهنة (العجز، الصمت، القهر) ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لانكسارات تاريخية مزمنة. الزمن هنا يصبح عابرًا للعصور ليجسد “المأساة الإنسانية المستمرة”.
ثانيًا: فلسفة المكان (من الجغرافيا إلى الفضاء السيكولوجي)
المكان في “بكاء الملائكة” هو مرآة عاكسة للصراعات الطبقية والنفسية للشخصيات، ويتحرك بين فضاءات متضادة: - الأمكنة المغلقة (فضاءات القهر والزيف)
تتحرك نصوص المجموعة بكثافة داخل أمكنة مغلقة ذات طبيعة مؤسساتية أو سلطوية:
المكاتب الإدارية والوزارات (اختطاف وزير، شهيق وزفير): تظهر كـ “متاهات بيروقراطية” معزولة عن الواقع الخارجي. المكان هنا يرمز للاغتراب، حيث السُّحب الكثيفة من النفاق وحاشية “السوس” التي تحجب الرؤية.
قاعات المحاكم ودور الرعاية (يا ليتني، وعاد إلى بيت أهله): أمكنة باردة، جافة، تحكمها نصوص القانون الجامدة التي تمزق العلاقات الإنسانية والروابط الأسرية بدلاً من إصلاحها.
الصالونات المخملية وعروض الكلاب (العظمة الذهبية): أمكنة مصطنعة، تعكس “الزيف الطبقي” والرفاهية الطفيلية، وهي مساحات معزولة نفسيًا عن آلام الملايين خارجها. - الأمكنة المفتوحة (فضاءات الحقيقة والتطهير)
في المقابل، تمثل الأمكنة المفتوحة (الشارع، القرية، الفضاء الطبيعي في قصة الكروان) فضاءات الحقيقة العارية:
الشارع: هو المكان الذي تأتي منه “كلاب الشوارع” في قصة العظمة الذهبية لتمزيق زيف الصالونات، وهو المكان الذي تتحقق فيه العدالة القدرية (الحوادث). الشارع عند الكاتب هو “المطهر” الذي يغسل أدران الأمكنة المغلقة.
القرية مقابل “وسط البلد”: في قصة الدجال، يتسع المكان ليكشف أن الجهل ليس حكرًا على الجغرافيا الهامشية (القرية)، بل إن المركز (وسط البلد/ المدينة) يمارس الدجل ذاته ولكن برداء حداثي مصقول. - مسرحة المكان (المنصة والصالة)
تتجلى نزعة الكاتب المسرحية في استخدام ثنائية (المنصة / الصالة) و (الضوء / العتمة) كمكان رمزي. المنصة هي مكان “الادعاء والأقنعة”، بينما الصالة (أو كواليس الاختفاء) هي مكان “المرآة النفسية والمواجهة مع الذات”. عندما تضاء الصالة .
وفقًا للمفهوم النقدي لـ “ميخائيل باختين”، فإن الزمان والمكان يتداخلان في الرواية والقصة ليشصخا المعنى. في “بكاء الملائكة”، يتجلى هذا التمازج (الكرونوتوب) في:
كرونوتوب “الانتظار والعبث”: (كما في العبث على الرمال)، حيث يتلاقى “المكان الرملي الهش المتغير” مع “الزمن الساكن الممتد”، ليعبرا عن حالة التيه والعجز العربي؛ فالرمال تبتلع الفضاء، والزمن الراكد يبتلع الفعل، فلا يتبقى سوى الأنين الصامت.
كرونوتوب “التحول والسقوط”: يتلاقى “المكان المؤسساتي البيروقراطي” مع “الزمن السريع المفاجئ للقرارات (الإقالة/ التعيين)”، ليبرز الكاتب من خلال هذا التمازج مدى هشاشة السلطة الزائفة، وكيف يمكن للمكان (المكتب الفخم) أن يفقد قيمته وسلطانه في ثانية واحدة من زمن القرار.
إن د. كمال يونس في “بكاء الملائكة” قد نجح في توظيف الزمان والمكان لخدمة سرديته الأخلاقية والفلسفية. لقد جعل من الزمان سوطًا للعدالة الكونية لا يخطئ موعده، ومن المكان تشريحًا طبقيًا ونفسيًا يعري سيكولوجية الإنسان المعاصر بين أصالة الفطرة وزيف المدينة والمؤسسة.
ختاما:لا تقف مجموعة “بكاء الملائكة” عند حدود كونها مرآة عاكسة للتشوهات الاجتماعية أو البيروقراطية، بل هي في عمقها “مرافعة وجودية وسيكولوجية” ضد تزييف الكينونة الإنسانية. إن الدكتور كمال يونس لم يكتب قصصاً للترفيه، بل أقام “محكمة أخلاقية” عابرة للزمن، مستخدماً السرد كمشرط جراح يشق به الأقنعة السميكة التي يرتديها إنسان العصر الحديث؛ سواء كان مثقفاً مدعياً، أو مسؤولاً غارقاً في نفاقه الإداري، أو فرداً استهلكته المادية الجافة فخرّبت علائقه الإنسانية الواهية.
تتجلى الفرادة الفلسفية للمجموعة في أنها ترفض الاستسلام للعدمية أو العبث؛ فبرغم قتامة بعض المشاهد وقسوة السقوط لشخصياتها المتغطرسة، إلا أن الكاتب يظل مسكوناً بـالتكهير و “يهودية الأمل” و هي مفهوم فلسفي ولاهوتي يرى أن اليهودية تدور في جوهرها حول “الإيمان بالزمن المستقبلي” وبناء غدٍ أفضل. تؤكد هذه الرؤية أن الأمل ليس تفاؤلاً سلبياً، بل التزام شجاع بأن العمل الجماعي والمسؤولية الإنسانية قادران على تغيير العالم نحو الأفضل . (إن “بكاء الملائكة” ليس إعلاناً بالهزيمة، بل هو “صدمة وعي” ومحاولة لإعادة بوصلة الإنسان إلى فطرتها الأولى والنزيهة—تلك الفطرة التي يمثلها تغريد الكروان الصامد، أو شعاع النور المباغت، أو العدالة الكونية الخاطفة التي تعيد ترتيب فوضى العالم حين تعجز القوانين الأرضية.
إنها مجموعة تقترح علينا في النهاية حكمة بليغة: إن التطور الحقيقي للإنسانية لا يقاس ببريق المنصات ولا بفخامة الصالونات المصطنعة، بل بمدى قدرتنا على حماية طهرنا الداخلي، كي تكف الملائكة عن البكاء..
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة